نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤١٠ - الفصل الأوّل في ذكر وفاته
الأرض لا تأكل لحوم الأنبياء، و الشهداء، و العلماء، و المؤذّنين المحتسبين، و حملة القرآن. قال ابن كمال باشا:
لا تأكل الأرض جسما للنبيّ و لا * * * لعالم و شهيد قتل معترك
و لا لقارئ قران و محتسب * * * أذانه لإله مجري الفلك
و لا يضغط في قبره، و كذلك الأنبياء، و لم يسلم من الضغطة صالح و لا غيره سواهم [١]، و تحرم الصلاة علي قبره و اتخاذه مسجدا.
و اختلفوا في موضع دفنه، فقال بعضهم: عند المنبر، و قال بعضهم: بالبقيع، و قال آخرون: يحمل إلي أبيه إبراهيم فيدفن عنده، حتّى قال العالم الأكبر صدّيق الأمة: ادفنوه في الموضع الّذي قبض فيه، و هو بيت عائشة؛ فإنّ الله لم يقبض روحه إلا في مكان طيب، سمعته يقول: «ما قبض نبى إلا و دفن حيث يقبض» [٢]. فرفع و حفر له أبو طلحة الأنصارى تحت فراشه الّذي مات عليه، و نزل في قبره عليّ، و الفضل و قثم.
و في الإكليل: إن اخر الناس عهدا به (صلّى اللّه عليه و سلّم) عليّ، و قيل: قثم، و هو أصح.
* و لما دفن (صلّى اللّه عليه و سلّم) جاءت فاطمة رضى الله عنها فقالت: كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله التراب؟! و أخذت من تراب القبر الشريف و شمّته و أنشدت تقول:
ما ذا علي من شمّ تربة أحمد * * * ألا يشمّ مدي الزمان غواليا
صبّت عليّ مصائب لو أنّها * * * صبّت علي الأيام عدن لياليا
و قد عاشت فاطمة رضى الله تعالى عنها بعده (صلّى اللّه عليه و سلّم) ستة أشهر، فما ضحكت تلك المدة.
[١] و قد قال العلماء: إن ضمّة القبر للكافر و العاصى ضمّة غيظ، و ضمته للمؤمن الصالح ضمّة الأم الحنون، و قد ورد في الحديث الصحيح أن: «من قرأ قل هو الله أحد في مرضه الّذي يموت فيه لم يفتن في قبره، و أمن من ضغطة القبر، و حملته الملائكة يوم القيامة بأكفّها حتّى تجيزه من الصراط إلى الجنة» رواه أبو نعيم في الحلية.
[٢] رواه مالك في الموطأ، و ابن ماجه، و ابن إسحاق في السيرة.