نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٤٣ - إسلام عمير بن وهب
استطراد لمناسبة: قال عمر بن عبد العزيز: كان أبى إذا خطب و نال من عليّ يلجلج في كلامه، فقلت: يا أبت إنك تمضى في خطبتك، فإذا أتيت إلى ذكر عليّ عرفت منك تقصيرها، قال: أو فطنت لذلك؟ قلت: نعم، قال: يا بنى إن الذين حولنا لو يعلمون من عليّ ما نعلم لتفرّقوا عنّا إلى أولاده.
فلما ولى عمر الخلافة لم يكن عنده من الرغبة في الدنيا ما يرتكبه في هذا الأمر العظيم لأجله، فكتب بتركه، و قرأ عوضه: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ ... [النحل: ٩٠] فحل هذا الأمر عند الناس محلا عظيما، و أكثروا مدحه حتّى قال كثير في أبياته في حق عمر بن عبد العزيز:
و ليت و لم تشتم عليا و لم تخف * * * بريّا، و لم تتبع مقالة مجرم
و قيل: إنه قال: إن سبب محبتى عليا أنى كنت بالمدينة أتعلم العلم، و كنت ألزم عبيد الله بن عبد الله ابن مسعود، فبلغه عنى شيء من ذلك، أى في سب بنى أمية لعلي، فأتيته يوما و هو يصلى فأطال الصلاة، فقعدت أنتظر فراغه، فلما فرغ التفت إليّ و قال: متى علمت أن الله غضب على أهل بدر و بيعة الرضوان بعد أن رضى عنهم؟! قلت: و لم أسمع بذلك، قال: فما الّذي بلغنى عنك في علي؟ فقلت: «معذرة إلى الله و إليك، و الله لا أعود»، فما سمع بعد ذلك يذكر عليّا إلا بخير. أ. ه.
و لا مانع أن يقال: إنه لحسن سريرته السرية، و سيرة عدله العمرية، لما رأى الحق للإمام عليّ أبطل من نفسه مثلبة سبّه على المنابر، و هذا ما يقضى به حسن الظن في حق هذا الخليفة الموصوف بالعدل في الباطن و الظاهر، بدليل استبدال ذلك بالآية الشريفة و هى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى، وَ يَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ، فمن جملة ذلك الأمر بعدم السب و النهى عنه، إذ هو من الفحشاء و المنكر، لا سيما و أن الغالب في الخلفاء و السلاطين و الملوك إنما يأمرون بما يأمرون به من تلقاء أنفسهم، كأمر الخليفة المعتضد العباسى بسب معاوية على المنابر، كما حكاه ابن جرير عنه، و إن صح أنه أمسك عن ذلك بعد أن أنشأ كتابا ليقرأ على المنبر فيه مثالب معاوية و معايبه، حيث قيل له: إن أهل بيت عليّ منهم الخارجون عليك في كل ناحية؛ فإذا سمعوا سبّ معاوية مال إليهم كثير من الناس، و خرجوا عن طاعة العباسية، فيكون عمر بن عبد العزيز