نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣١٢ - الفصل السادس في ظواهر السنة السادسة و ما فيها من الغزوات
اللام) فى الجاهلية، و قد قال (صلّى اللّه عليه و سلّم) لبنى مسلمة: من سيدكم؟ قالوا: «الجد بن قيس، على بخل فيه» قال: «و أي داء أدوأ من البخل»؟ ثم قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): سيدكم عمرو بن الجموح. و كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) جالسا تحت سمرة أو سدرة (و سمرة بفتح السين المهملة و ضم الميم بعدها راء مفتوحة مهملة و اخرها هاء: شجر الطلح) [١] و كان عدد المبايعين ألفا و ثلاثمائة، و سميت هذه البيعة بيعة الرضوان؛ لأن الله تعالى ذكر في سورة الفتح الذين صدرت عنهم هذه البيعة، بقوله لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح: ١٨]. ثم أتى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) الخبر بأن ما ذكر من أمر عثمان باطل، فبايع عنه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و وضع يده اليمنى علي يده اليسري، و قال: «اللهم إنّ هذه عن عثمان؛ فإنه في حاجتك و حاجة رسولك» [٢] و كانت يد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) لعثمان خيرا من أيديهم لأنفسهم.
و كان محمد بن مسلمة رضى الله عنه علي حرس رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فبعثت قريش أربعين (و قيل خمسين رجلا) عليهم مكرز بن حفص ليطوفوا بعسكر رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) رجاء أن يصيبوا منهم أحدا أو يجدوا منهم غرّة- أي غفلة- فأخذهم محمد بن مسلمة إلا مكرزا فإنه أفلت، و أتى بهم إلي رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فحبسوا، و بلغ قريشا حبس أصحابهم، فجاء جمع منهم حتّى رموا المسلمين بالنبل و الحجارة، فأسر المسلمون منهم اثني عشر رجلا، و عند ذلك بعثت قريش إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) جمعا فيهم سهيل بن عمرو، فلما راه النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال لأصحابه:
سهل أمركم، فقال سهيل: يا محمد إن الّذي كان من حبس أصحابك عثمان و العشرة رجال، و ما كان من قتال من قاتلك، فإنه لم يكن من رأى ذوي رأينا، بل كنا كارهين له حين بلغنا، و كان من سفهائنا، فابعث إلينا بأصحابنا الذين أسرت أولا و ثانيا. فقال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): إنى غير مرسلهم حتّى ترسلوا أصحابي. فقالوا: نفعل. فبعث سهيلا و من معه إلى قريش بذلك، فبعثوا بمن كان عندهم، و هو عثمان رضى الله عنه و العشرة رجال رضى الله عنهم، فأرسل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أصحابهم. ا ه.
[١] هو شجر عظيم من شجر العضاه، و جمهور المفسرين على أن الطلح الوارد في القرآن هو: الموز.
ا ه. مختار.
[٢] انظر الرياض النضرة في مناقب العشرة لمحب الدين الطبرى ص ٢٩ و ٣٠.