نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣١١ - الفصل السادس في ظواهر السنة السادسة و ما فيها من الغزوات
[و العوذ: جمع عائذ الناقة ذات اللبن، و المطافيل: ذوات الأطفال الصغار جمع مطفل أى أنهم حضروا مع الإبل، و هى كانت جلّ أموال العرب ليتزوّدوا بذلك، و لا يرجعون خوف الجوع، أو العوذ المطافيل: النساء معهن أطفالهن، أى أنهم خرجوا بنسائهم معهنّ أولادهن لإرادة طول المقام، ليكون ادعى لعدم الفرار].
و لما قال بديل بن ورقاء لرسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): هم مقاتلوك و صادّوك عن البيت، قال له النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): لم نجئ لقتال أحد، و لكنا جئنا معتمرين، و إن قريشا قد نهكتهم الحرب و أضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم مدّة و يخلّوا بيني و بين الناس، و إن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، و إلا فقد حموا، و إن هم أبوا فو الّذي نفسى بيده لأقاتلنهم على أمرى هذا حتّى تنفرد سالفتى (و هى أ علي العنق) أو لينفذنّ الله أمره. فقال بديل: سأبلغهم ما تقول، ثم دعا رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) عمر بن الخطاب رضى الله عنه ليبعثه إلى أبى سفيان و أشراف قريش يعلمهم أنه لم يأت لحرب، و إنما جاء زائرا و معظّما لهذا البيت، فقال: يا رسول الله إني أخاف قريشا علي نفسي، و ما بمكة من بني عدى بن كعب أحد يمنعني، و قد عرفت قريش عدوانى إياها و غلظتى عليها، و لكن أدلّك علي رجل أعزّ بها مني: عثمان بن عفان؛ فإن بنى عمه يمنعونه. فدعا رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) عثمان بن عفان رضى الله عنه، فبعثه إلي أبى سفيان و أشراف قريش ليعلمهم بذلك، فخرج عثمان بن عفان رضى الله عنه إلي مكة، و دخل مكة من الصحابة عشرة أيضا بإذن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) ليزوروا أهاليهم، فلما وصل إليهم عثمان عرّفهم ذلك، و هم يردّون عليه: «إن محمدا لا يدخل علينا أبدا» فلما فرغ عثمان من تبليغ رسالة رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، قالوا له: إن أحببت أن تطوف بالبيت فطف، فقال: ما كنت لأفعله حتّى يطوف رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فغضبت قريش، و أمسكوه و حبسوه ثلاثة أيام.
و لما احتبس عثمان، بلغ رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن عثمان رضى الله عنه قد قتل، و قتلوا معه العشرة رجال الذين دخلوا مكة أيضا، فحزن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و المسلمون من سماع هذا الخبر حزنا شديدا، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) حين بلغه ذلك: لا نبرح حتّى نناجز القوم، (أى نقاتلهم) و دعا النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلي بيعة الرضوان، فبايعهم علي أن يقاتلوا قريشا و لا يفروا عنهم، و أنه إما الفتح و إما الشهادة. و لم يتخلف أحد، إلا الجد بن قيس، اختفى بإبط ناقته يستتر بها من الناس، و كان سيد بنى مسلمة (بكسر