نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٣٧ - الفصل الثالث فى خروجه
و عن ابن مسعود أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: أمرت أن أتلو القرآن على الجن؛ فمن يذهب؟
فسكتوا، ثم قال الثانية فسكتوا، ثم قال الثالثة، فقلت: أنا أذهب معك يا رسول اللّه، قال: فانطلق حتّى إذا جاء الحجون عند شعب ابن أبي ذئب خطّ عليّ خطّا، فقال «لا تجاوزه»، ثم مضى إلى الحجون، فانحدروا عليه أمثال الحجل [١]، كأنهم رجال الزطّ، [قال ابن الأثير في النهاية: «و الزط قوم من السودان و الهنود، كأن وجوههم المكاكي، يقرعون في دفوفهم كما تقرع النسوة في دفوفهن] حتى غشوه، فغاب عن بصرى، فقمت، فأومأ إليّ بيده أن اجلس، ثم تلا القرآن، فلم يزل صوته يرتفع و لصقوا بالأرض حتّى صرت لا أراهم، فلما عاد إليّ قال:
أردت أن تأتينى؟ قلت: نعم يا رسول اللّه، قال: «ما كان ذلك لك؛ هؤلاء الجن أتوا يستمعون القرآن ثم ولّوا إلى قومهم منذرين، فسألونى الزاد فزوّدتهم العظم و البعر، فلا يستطيبنّ أحدكم بعظم و لا بعر».
و ذكر في كتاب «القرى لقاصد أم القرى» أن بأعلى مكة مسجدا يقال له مسجد الجن و مسجد البيعة أيضا يقال: إن الجن بايعوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) هناك.
و لما أراد الدخول إلى مكة قال له زيد بن حارثة: كيف تدخل على قريش و هم السبب في خروجك لتستنصر فلم تنصر؟! فقال: يا زيد إن اللّه جاعل لما ترى فرجا و مخرجا، و إن اللّه ناصر دينه و مظهر نبيه. فسار رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى حراء [٢] ثم بعث إلى الأخنس بن شريق [٣] رضى اللّه عنه ليجيره، و كان ذلك قبل إسلامه، و ليدخل (صلّى اللّه عليه و سلّم) مكة في جواره، فقال: أنا حليف، و الحليف لا يجير.
فبعث (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى مطعم بن عدى الّذي مات على دين قومه قبل بدر بنحو سبعة أشهر يقول له: إنى داخل مكة في جوارك. فأجابه إلى ذلك، فدخل (صلّى اللّه عليه و سلّم) مكة، ثم تسلح المطعم بن عدى و أهل بيته و خرجوا حتّى أتوا المسجد، فقام المطعم بن عدى على راحلته و نادي: يا معشر قريش إنى قد أجرت محمدا فلا يؤذيه أحد
[١] الحجل: صغار الإبل تسير مندفعة جماعات، أو طيور تندفع كذلك.
[٢] حراء جبل من جبال مكة، على ثلاثة أميال.
[٣] الأخنس بن شريق: فى الإصابة: الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب بن علاج بن أبى سلمة ابن عبد العزى بن غيرة بن عوف بن ثقيف الثقفي، أبو ثعلبة، حليف بنى زهرة، و اسمه «أبيّ».
أسلم الأخنس، و كان من المؤلفة قلوبهم.- شهد حنينا و مات في خلافة سيدنا عمر.