نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٤٣ - الفصل السابع في ظواهر السنة السابعة ما فيها من الغزوات
عيسى، و لو لا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتّى أقبّل أعتابه، امكثوا في أرضى ما شئتم. و أمر لهم بكسوة و طعام، و قال لعمرو بن العاص و صاحبه: انطلقا فو الله لا أسلمهم إليكما أبدا، و لا أكاد. فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص: و الله لآتينّهم غدا و لأعيبنّهم عنده بما استأصل به خفارتهم [١]، فقال له صاحبه- و كان اتقى الرجلين-: لا تفعل؛ فإنهم أرحامنا، و إن كانوا قد خالفونا، قال: و الله لأخبرنه أنهم يزعمون أن المسيح ابن مريم عبد، فلما كان الغد غدا إليه فقال له:
أيها الملك، إنهم يقولون في المسيح قولا عظيما، فأرسل إليهم و اسألهم. فأرسل إليهم، فلما دخلوا عليه، قال لهم: ما تقولون في عيسى بن مريم؟ [(عليه الصلاة و السلام)] فقال له جعفر: نقول فيه الّذي جاءنا به نبينا محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم)، هو عبد الله و روحه و رسوله، و كلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. ثم قرأ عليهم صدرا من سورة مريم فبكى النجاشى حتّى اخضلت لحيته بدموعه، و بكا [٢] أساقفته حتّى اخضلت مصاحفهم [٣] حين سمعوا ما تلى عليهم، و قال: و الله يا معشر القسيسين و الرهبان ما يزيد فيما يقولون عن ابن مريم. ثم قال لجعفر و أصحابه: اذهبوا فأنتم سيوم بأرضى (و السيوم: الآمنون) من سبّكم أو اذاكم غرم، ثم من سبكم أو اذاكم غرّم [ثلاث مرات] و قال: أبشروا و لا تخافوا، فلا دهونة [٤] اليوم على حزب إبراهيم، فقال عمرو: يا نجاشى: و من حزب إبراهيم؟ قال: هؤلاء الرهط، و صاحبهم الّذي جاءوا من عنده و من اتبعهم، فقال عمرو: بل نحن حزب إبراهيم، فاختصم الفريقان في إبراهيم، [فأنزل الله تعالى في ذلك اليوم على رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو بالمدينة قوله تعالى: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: ٦٨]، فقال النجاشى: إنما هديتكم لى رشوة فاقبضوها، فو الله ما أخذ الله منى الرشوة حين ملّكنى. فخرجا من عنده خائبين مردودا عليهما ما جاءا به، و أقام جعفر و أصحابه ثم في خير دار و أحسن جوار.
و يفهم من فيض عين النجاشى و أصحابه بالدموع حين سمع قراءة جعفر رضى
[١] الخفارة: شدة الحياء، و الخفير: المجاور، و المجير، و المعنى أنه يستفزه فلا يجيرهم بعد ذلك فيطردهم، و ذلك يذهب بهاء وجوههم في زعه.
[٢] فى الأصل «و بكوا أساقفته».
[٣] المصاحف: الصحف التى يقرءون فيها، و منه سمى المصحف مصحفا لأنه يكتب في صحائف.
[٤] أى لا تحريض و لا أذى.