نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٢٠ - مسألة الغرانيق و ما سمّوه الآيات الشيطانية
و قال الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي: «هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، و إن رواة هذه القصة مطعونون، و أيضا فقد روى البخارى في صحيحه «أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قرأ سورة النجم و سجد المسلمون و المشركون و الإنس و الجن» و ليس فيه حديث الغرانيق.
و أما المعقول: فما ذكره الإمام النسفى في تفسيره بقوله: «و الصحيح المعتمد عليه أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) لم يتكلم بها، فلا يخلو الأمر من أحد ثلاثة أوجه:
إما أن يجرى ذلك على لسانه عمدا باختياره، و هذا لا يجوز؛ لأنه كفر، و هو (صلّى اللّه عليه و سلّم) جاء داعيا إلى الإيمان ناهيا عن الكفر طاعنا في الأصنام، فكيف يمدحها و يعظّمها باختياره؟!.
و إما أن يجرى الشيطان ذلك على لسانه (صلّى اللّه عليه و سلّم) جبرا بحيث لم يقدر على الامتناع عنه، و هذا أيضا لا يجوز؛ لأن الشيطان لا يقدر على ذلك في حق غيره (صلّى اللّه عليه و سلّم) لقوله تبارك و تعالى: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [الحجر: ٤٢] و قوله تعالى حكاية عن الشيطان وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [إبراهيم: ٢٢] فكيف يقدر على ذلك في حقه (صلّى اللّه عليه و سلّم)؟!.
و إما أن يقع ذلك على لسانه (صلّى اللّه عليه و سلّم) سهوا و غفلة من غير قصد، و هو أيضا مردود؛ لأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان أعقل الخلق و أعلمهم، فكيف تجوز عليه هذه الغافلة؟! خصوصا في حالة تبليغ الوحي، و لو جاز ذلك لبطل الاعتماد على قوله و الثقة به، لقيام احتمال الغلط و الخطأ في كل واحد من الأحكام و الشرائع، فلما بطلت هذه الوجوه كلها لم يبق إلا احتمال واحد، و هو أنه (عليه الصلاة و السلام) وقف و سكت عند قوله: وَ مَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (٢٠) [النجم: ٢٠] و الشيطان حاضر عنده، فتكلّم الشيطان بهذه الكلمات متصلا بقراءته (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و وقع عند بعضهم أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) هو الّذي تكلم بهذا، و تكون هذه إلقاء في قراءة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و كان الشيطان يتكلم في زمن الوحي، كما ذكر أنه ظهر في صورة شيخ نجدى على المشركين الذين اجتمعوا في دار الندوة على قضية المكر بالنبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و تكلم في شوّارهم [١]، و استصوب رأى بعضهم و خطّأ آخرين، و ذكر أيضا أنه نادى يوم أحد أن محمدا
[١] مشيروهم بالرأي.