نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١١٨ - مسألة الغرانيق و ما سمّوه الآيات الشيطانية
قال البيضاوى في قوله تعالى: فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ: «فيبطله و يذهب به، بعصمته عن الركون إليه، و الإرشاد إلى ما يريحه». (انتهى كلام البيضاوي).
فقوله (بعصمته عن الركون إليه) إلى آخره هو محل الإشارة إلى الجواب كما يفهم بالتأمل ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ قال البيضاوي: ثم يثبّت آياته الداعية إلى الاستغراق في أمر الآخرة وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بأحوال الناس حَكِيمٌ بما يفعله بهم، قال البيضاوي: «حدّث نفسه بزوال المسكنة فنزلت، و قيل تمنى لحرصه على إيمان قومه أن ينزل عليه ما يقرّبهم إليه، و استمر به ذلك حتّى كان في ناديهم، و نزلت عليه سورة «و النجم» فأخذ يقرأها فلما بلغ وَ مَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى [النجم:
٢٠] وسوس إليه الشيطان حتّى سبق لسانه سهوا إلى أن قال: «تلك الغرانيق العلى و إن شفاعتهن لترتجي»، ففرح به المشركون حتّى تابعوه بالسجود لمّا سجد في اخرها أى اخر سورة النجم، بحيث لم يبق في المسجد مؤمن و لا مشرك إلا سجد، ثم نبّأه جبريل (عليه السلام)، فاغتمّ لذلك، فعزّاه أى سلاه اللّه بهذه الآية.
و هو (أى ما ذكر من قوله سبق لسانه سهوا و قوله تلك الغرانيق .. إلخ) مردود عند سائر المحققين [١]. و إن صحّ فابتلاء يتميز به الثابت على الإيمان عن المتزلزل فيه، و قيل: تَمَنَّى أى قرأ؛ كقول حسان رضى اللّه عنه:
تمنّي كتاب اللّه أوّل ليلة * * * تمنّي داود الزبور علي رسل
[الرّسل: الترتيل في القراءة بتؤدة و سكينة من غير سرعة، و ضمير «تمني» فى البيت لعثمان رضى اللّه عنه، و أمنيته: قراءته].
و إلقاء الشيطان فيها أن يتكلم بذلك رافعا صوته بحيث يظن السامعون أنه من قراءة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم).
و قد ردّ أيضا بأنه يخلّ بالوقوف على القرآن، و لا يندفع بقوله: فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ [الحج: ٥٢] لأنه أيضا يحتمله، و بأن الآية على
[١] و هذا هو الصحيح، و ما قيل فهو كذب و زور و بهتان على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لأنه مرسل لهدم هذه الغرانيق و الأصنام، و هو من ضلال المضللين و افتراء الكذابين كما سبق أن قلنا.