نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١١٧ - مسألة الغرانيق و ما سمّوه الآيات الشيطانية
و بلغ فيها وَ مَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى ارتصده الشيطان في سكتة من سكتاته فألقى عندها [تلك الغرانيق العلي، و إن شفاعتهن لترتجي] محاكيا نغمته إلى آخره، فقد ردّ بعضهم هذا كله و قال: إنه موضوع وضعه الزنادقة، و لا أصل له؛ لأن الشيطان لا يلقى على الرسل و الأنبياء (عليهم الصلاة و السلام) شيئا؛ حيث هم معصومون. و حلّ هذه المسألة يفهم مما كتبه البيضاوى و الشهاب الخفاجى و الشيخ زاده في هذا المحل، يعنى قوله تعالى: إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ؛ فإنه يفهم من كلام البيضاوى أنه هيأ في نفسه ما يهواه أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ أى في تشهّيه ما يوجب اشتغاله بالدنيا، كما قال (عليه الصلاة و السلام): «إنه ليغان على قلبى فأستغفر اللّه سبعين مرة» [١] قال الشهاب: حديث صحيح، و الغين قريب من الغيم لفظا، و المعنى أنه يعرض لقلبى أن يغشاه بعض أمور من أمور الدنيا و الخواطر البشرية مما يلزم للتبليغ، لكنها لإشغالها عن ذكر اللّه يعدّها كذنوب، فيفزع إلى الاستغفار منها، و (سبعين) للتكثير لا للتخصيص.
(انتهى كلام الشهاب).
- و الّذي يميل إليه القلب و يسكن من الفزع هو: أنّ أيّ نبيّ من الأنبياء صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين إنما يتمنى أن يؤمن قومه جميعا، فيلقى الشيطان في هذه الأمنية و يدعثر قوما من قومه، و يلقى في أدمغتهم و قلوبهم الخبال، و يشنون على النبي الحرب حتّى لا يؤمن قومه.
و لو أن الشيطان تمكن من أن يلقى على لسان نبى من الأنبياء لضاعت رسالته من أولها إلى اخرها، و يكفى شاهدا و دليلا وضاحا قوله تعالى: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [الحجر:
٤٢]. و الأنبياء أخص الخاصة من عباد اللّه تعالى.
[١] أغان الغين السماء: ألبها. و الحديث رواه مسلم و أبو داود و النسائى و أحمد عن الأغرّ المزنى رضى اللّه عنه بلفظ: «إنه ليغان على قلبي، و إنى لأستغفر في اليوم مائة مرة». و يروى أن الإمام أبا الحسن الشاذلى رضى الله عنه رأى حضرة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في المنام فسأله عن الحديث. فقال له:
«غين أنوار لا غين أغيار يا مبارك».
و قال الإمام العينى (رحمه الله): و إنما كان يستغفر هذا المقدار مع أنه معصوم و مغفور له لأن الاستغفار عبادة، أو هو تعليم لأمته، أو استغفار من ترك الأولى .. إلى أن قال: اشتغاله بالنظر فى مصالح الأمة و محاربة الأعداء و تأليف المؤلفة قلوبهم و نحو ذلك شاغل عن عظيم مقامه، من حضوره مع اللّه عز و جل، و فراغه مما سواه، فيراه ذنبا بالنسبة إليه، و إن كانت هذه الأمور من أعظم الطاعات و أفضل الأعمال، فهو نزول عن عالى درجته، فيستغفر لذلك. و قيل: كان دائما في الترقى في الأحوال، فإذا رأى ما قبلها دونه استغفر منه، كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين.