نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤٢٢ - الفصل الثانى فى ذكر بعض أخلاقه و صفاته
فى قريش و نشأت في بنى سعد فأنّى يأتينى اللّحن» [١] فقد كان من خصائص نبينا (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يكلم كلّ ذى لغة بلغته على اختلاف لغة العرب و تراكيب ألفاظها و أساليب كلمها، و كان أحدهم لا يجاوز لغته، و إن سمع لغة غيره فكالعجمية يسمعها العربي، و ما ذاك منه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلا بقوة إلهية و موهبة ربّانية؛ لأنه بعث إلى الكافة طرّا و إلى الخليقة سودا و حمرا، و لا يوجد متكلم بغير لغته إلا قاصرا في تلك الترجمة، نازلا عن صاحب الأصالة في تلك اللغة، إلا هو (صلّى اللّه عليه و سلّم)؛ فإنه كان إذا تكلم في لغة من لغات العرب أفصح و أنصع بلغاتها منها بلغة نفسها، و جدير به ذلك؛ فقد أوتى جميع القوى البشرية المحمودة، و مزية علي الناس بأشياء كثيرة.
و بالجملة فقد ألّف الناس في فصاحته و جوامع كلمه الدواوين، و لا خفاء بأن أفصح اللغات لغات العرب، و غاية لسان هارون و فصاحته إنما كانت في العبرانية، و إلا فالعربية أفصح منها [٢]، و أما ما اشتهر علي ألسنة كثير من الناس أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «أنا أفصح من نطق بالضاد»، فقال الحافظ ابن كثير، و تابعه تلميذاه الزركشي، و ابن الجوزي، و الجلال السيوطي، و السخاوي: إنه لا أصل له، كما يؤخذ من قول النجم. ثم هو (صلّى اللّه عليه و سلّم) أفصح من نطق بالضاد من بين أهل اللغة العربية، حيث لم يعزه لرواية، و هو صحيح المعنى، إذ معناه: أنا أفصح العرب لكونهم هم الذين ينطقون بها، و لا توجد في لغة غيرهم.
* و أما خلقه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فكان خلقه القرآن؛ يرضى لرضاه، و يسخط لسخطه، و يسارع إلى ما حثّ عليه، و يمتنع مما زجر عنه، فلهذا كان يتضاعف جوده و إفضاله في شهر رمضان لقرب عهد مخالطته جبريل (عليه السلام)، و كثرة مدارسته لهذا الكتاب الكريم الّذي يحثّ على مكارم الأخلاق و الجود، و لا شك أن المخالطة تؤثر و تورث أخلاقا من المخالط، كما قال بعضهم لابنه:
[١] و قد روى أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «أول من فتق لسانه بالعربية المبينة إسماعيل و هو ابن أربع عشرة سنة» رواه الشيرازى في الألقاب عن على كرم الله وجهه، و روى الحديث الّذي ذكره الشيخ بلفظ اخر: «أنا أعربكم، أنا من قريش و لسانى لسان بنى سعد بن بكر» رواه ابن سعد.
[٢] أما قول الله تبارك و تعالى: (و أخي هارون هو أفصح منى لسانا) ليس المقصود فصاحة اللغة، و إنما المقصود أنه يستطيع أن يعبر أحسن منه، و الله أعلم بمراده بذلك.