نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٥٧ - الفصل الثالث في ظواهر السنة الثالثة من الهجرة و ما فيها من الغزوات
شفتاه. و الّذي كسر رباعيته عتبة بن أبى وقاص، و الّذي شجّ وجهه عبد الله بن شهاب الزهري في جبهته، و جعل الدم يسيل على وجهه الشريف و هو يقول:
«كيف تفلح أمة خضّبت وجه نبيها! اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون» و إلى ذلك أشار من قال:
و أهلك قومه في الأرض نوح * * * بدعوة «لا تذر ربّي» فأفني
و دعوة أحمد ربّ اهد قومي * * * فهم لا يعلمون كما علمنا
فنزل في ذلك قوله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (١٢٨) [آل عمران: ١٢٨] و ضرب بالسيف على شقه الأيمن فجرح وجنته، و دخلت حلقتان من المغفر [١] فى وجهه الشريف من الشّجّة، و نزع أبو عبيدة (عامر بن الجراح) إحدى الحلقتين من وجهه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فسقطت ثنية [٢] أبى عبيدة الواحدة، ثم نزع الأخرى فسقطت ثنيته الأخرى. و مثّلت هند و صواحبها بالقتلى من الصحابة؛ فجدعن الآذان و الأنوف، و بقرت هند عن كبد حمزة و لاكتها [٣]، و صعد زوجها أبو سفيان فوق الجبل و صرخ بأعلى صوته «الحرب سجال يوم بيوم: يوم أحد بيوم بدر، اعل هبل» أى زد علوّا، فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم): قم يا عمر فأجبه، فقال: «الله أعلى و أجل: لا سواء، قتلانا في الجنة و قتلاكم في النار».
و في الصحيح: أن أبا سفيان قال: «لنا العزّى و لا عزّى لكم» فقال النبي: قولوا له: «الله مولانا و لا مولى لكم».
ثم نادى أبو سفيان عند منصرفه. «إن موعدكم بدر العام المقبل» فقال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) لرجل من أصحابه: «قل: نعم بيننا و بينكم موعد» ثم التمس رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) عمه حمزة فوجده و قد بقر بطنه، و جدع أنفه و أذناه، فقال: لئن أظهرنى الله عز و جل على قريش لأمثّلن بثلاثين منهم [٤]، فلما رأى المسلمون حزنه و غيظه
[١] المغفر: زرد ينسج من الدروع علي قدر الرأس، يلبس تحت القلنسوة.
[٢] الثنيّة: إحدى الأسنان الأربع التي في مقدم الفم، ثنتان من فوق و ثنتان من تحت.
[٣] و لكنها لم تستطع ابتلاعها فلفظتها.
[٤] هذه رواية محمد بن إسحاق، و قد ذكرها ابن كثير في تفسير قوله تعالى: وَ إِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ اخر سورة النحل، و في رواية البزار: «بسبعين» بدل «بثلاثين».