نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٠٥ - الفصل الثالث في ذكر الظواهر الحادثة بعد الهجرة إجمالا
الفصل الثالث في ذكر الظواهر الحادثة بعد الهجرة إجمالا
[الإذن بالقتال:] و لما مكث (صلّى اللّه عليه و سلّم) بضع عشرة سنة يدعو إلي الله بغير قتال، صابرا على إيذاء العرب بمكة، و اليهود بالمدينة له و لأصحابه؛ لأمر الله له بالصبر، و وعده له بالفتح، أذن له بالقتال لكن لمن قاتله بقوله تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا [الحج: ٣٩] ... الآية و لما نزلت أخبر (صلّى اللّه عليه و سلّم) بقوله «أمرت أن أقاتل الناس حتّى يقولوا لا إله إلا الله» المراد مع «محمد رسول الله»، و قد يكتفى بالجزء الأوّل عن كلمتى الشهادة، أي عن التعبير بجميعهما؛ لأنه صار شعارا لجميعهما، فحيث قيل «كلمة الشهادة»، أو «كلمة الإخلاص» أو «قول لا إله إلا الله» فهو «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، و في لفظ: «حتى يشهدوا ألا إله إلا الله و أنى محمد رسول الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم و أموالهم إلا بحقها، و حسابهم علي الله تعالى»، قيل. و ما حقها؟ قال: «زنا بعد إحصان، و كفر بعد إسلام، أو قتل نفس» [١].
و هي الكلمة العالية و الشريعة الغالبة، من استمسك بها فقد سلم، و من اعتصم بعصمتها فقد عصم، لقوله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «فإذا قالوها عصموا منى دماءهم و أموالهم إلا بحقها ...» هذا توقيع العصمة الدنيوية، و أما توقيع العصمة الأخروية ف «من قال لا إله إلا الله دخل حصني، و من دخل حصنى أمن من عذابي» [٢].
و الأمر الّذي أخبر عنه) هو قوله تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَ إِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحج: ٣٩].
قال بعضهم: و هي أوّل آية نزلت في شأن القتال.
و ظاهر هذا السياق يقتضي أن الآية فيها الأمر له (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالقتال المذكور، و قد
[١] رواه البخارى، و مسلم، و النسائي، و أبو داود عن أبى هريرة، و البخارى و مسلم عن ابن عمر، و النسائى عن أبى بكرة، و الحاكم و ابن ماجه عن أبي هريرة. و للحديث ألفاظ مختلفة بمعنى واحد. و هو حديث متواتر.
[٢] الحديث القدسى عن الله سبحانه و تعالى: رواه ابن النجار.