نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٩٤ - مسألة الرسول
قال البيهقى (رحمه الله): و لهذا يذكره بعضهم عند مقدمه (صلّى اللّه عليه و سلّم) المدينة من مكة [١] لا أنه عند مقدمه المدينة من تبوك.
هذا كلامه، و لا مانع من تعدد ذلك.
و احتمل أبو أيوب (خالد بن زيد الأنصارى رضى الله عنه) رحله بإذنه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و أدخله بيته و معه زيد بن حارثة، و كانت دار بنى النجار أوسط دور الأنصار و أفضلها، و هم أخوال عبد المطلب جدّ النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و أراده قوم في النزول عليهم، فقال: «المرء مع رحله» فأقام (صلّى اللّه عليه و سلّم) عند أبى أيوب حتّى بنى مسجده و مساكنه، و كان بناؤه من اخر ربيع الأوّل إلى شهر صفر من السنة القابلة، أى و ذلك اثنا عشر شهرا، و قيل: مكث ببيت أبى أيوب سبعة أشهر، و كان قبله يصلى حيث أدركته الصلاة، و بناه هو و المهاجرون و الأنصار (رضوان الله عليهم اجمعين)، و كان موضع المسجد مربدا- أى محلا لتجفيف التمر- لسهل و سهيل ابنى عمرو (يتيمين في حجر أسعد بن زرارة أو معاذ بن عفراء) فدعا الغلامين فساومهما المريد ليتخذه مسجدا فقالا: لا، بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى أن يقبله منهما هبة حتّى ابتاعه منهما بعشرة دنانير أدّاها من مال أبى بكر الصديق رضى الله عنه، و لعل إطلاق اليتم عليهما باعتبار ما كان ان صدور البيع منهما، و قيل: بل كان الموضع لبنى النجار، و كان فيه قبور المشركين و خرب و نخل، فأراد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يشتريه من بنى النجار، فقال لهم: «ثامنونى حائطكم، فقالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله» فأمر رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بقبور المشركين فنبشت، و بالخرب فسوّيت، و بالنخل فقطع، فصفّوا النخل قبلة المسجد، و جعلوا عضادتاه (*) حجارة، ثم بناه باللّبن، و سقفه بالجريد، و جعل عمده من خشب النخل [٢].
[مسألة: الرسول (صلّى اللّه عليه و سلّم) و الشّعر]
و كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) ينقل اللّبن (**) معهم في ردائه حتّى اغبرّ صدره الشريف، و صار يقول:
هذا الجمال لا جمال خيبر * * * هذا أبرّ- ربّنا- و أطهر
[١] و هو الحق الّذي لا ريب فيه.
[٢] قال (عليه الصلاة و السلام): «عريشا كعريش موسى، و خشيبات، و الأمر أعجل من ذلك» (رواه المخلّص في فوائده، و ابن النجار عن أبى الدرداء).
* الصواب: عضادتيه.
** أى الطوب اللبن.