نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٩٣ - مبدأ التأريخ الإسلامى
ذوب الملح في الماء» [١].
و كان (عليه الصلاة و السلام) كلما مرّ على دار من دور الأنصار يدعونه إلى المقام عندهم يقولون: يا رسول الله هلم إلينا، إلى القوة و المنعة. فيقول رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «خلّوا سبيل الناقة فإنها مأمورة من قبل الله تعالى» و قد أرخى زمامها و ما يحرّكها، و هى تنظر يمينا و شمالا، حتى إذا أتت دار مالك بن النجار بركت حيث مسجده الشريف الآن، ثم سارت و هو (صلّى اللّه عليه و سلّم) عليها، و مشت حتّى بركت على باب أبى أيوب الأنصارى رضى الله عنه، من بنى مالك بن النجار، من كبار الصحابة، شهد بدرا و المشاهد، ثم قامت و مشت و التفتت خلفها، ثم رجعت إلى منزلها أوّل مرة بمحلّ باب المسجد، و بركت فيه، ثم تجلجلت (بجيمين) أى تحركت و ألقت عنقها بالأرض و صوّتت من غير أن تفتح فاها، فنزل عنها رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و قال: «هذا المنزل إن شاء الله تعالى، اللهم أنزلنا منزلا مباركا».
و لما بركت الناقة على باب أبى أيوب خرج جوار من بنى النجار يضربن بالدفوف يقلن:
نحن جوار من بنى النجار * * * يا حبذا محمد من جار
فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم): أ تحببنني؟ قلن: نعم يا رسول الله، فقال (عليه الصلاة و السلام): «الله أعلم أنّ قلبى يحبكم»، و في هذا دليل لسماع الغناء على الدف من المرأة لغير العرس [٢]. و سيأتى بسط الكلام على السماع في اخر فصل في الكتاب.
[١] رواه الإمام أحمد، و مسلم، و ابن ماجه.
[٢] ليس هذا دليلا، لأنه لم يكن قد نزل تشريع بعد، و قد نزل التشريع بعد ذلك بتحريم الغناء و اللهو كله، قليله و كثيره، تحريما قاطعا، فقد قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): الغناء ينبت النفاق في القلب، كما ينبت الماء البقل» (رواه ابن أبي الدنيا، و البيهقى، و قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «لست من دد و لا الدد منى» رواه البخارى في الأدب، و البيهقى عن أنس و الطبراني عن معاوية، أوضحها إيضاحا تاما قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم):
«لست من دد و لا الدد منى، و لست من الباطل و لا الباطل منى» (رواه ابن عساكر عن أنس).
و في الحديث: «نهى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن الغناء و الاستماع إلى الغناء، و عن الغيبة و الاستماع إلى الغيبة، و عن النميمة و الاستماع إلى النميمة» (رواه الطبراني و الخطيب عن عبد الله بن عمر).
و قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «من استمع إلى صوت غناء لم يؤذن له أن يسمع الروحانيين في الجنة» (رواه الحكيم عن أبى موسى) و قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «من استمع قينة صبّ في أذنيه الآنك يوم القيامة، و الأحاديث في هذا الباب لا تكاد تقع تحت حصر، فليتق الله الذين يطلقون الفتاوى بغير علم و لا هدى و لا كتاب منير، فإن الله تعالى سائلهم يوم القيامة عمّا افتوا، على أن الشيخ (رحمه الله) لا يقصد قطعا هذه القاذورات التى نتعاطاها اليوم.