نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٧٢ - الفصل الأوّل فى الأسباب الباعثة علي هذه الهجرة و التمهيد لها
الحقيقة يقال لها: العقبة الأولي، و إن كانت هي الثانية، فلما انصرفوا راجعين إلي بلادهم بعث رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) معهم ابن أم مكتوم، و هو ابن خال خديجة بنت خويلد أم المؤمنين رضى الله عنها، و كذلك بعث مصعب بن عمير رضى الله تعالى عنه، يعلّمان من أسلم منهم القرآن، و من أراد أن يسلم الإسلام، و يفقّهانهم في الدين، و يدعوان من لم يسلم منهم إلى الإسلام، و كان مصعب يؤمّ الأوس و الخزرج، و جمّع بهم أوّل جمعة جمعت في الإسلام حين بلغ المسلمون منهم أربعين رجلا، بإرساله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إليه بالتجميع قبل قدومه (صلّى اللّه عليه و سلّم) المدينة، و تسمية الأنصار إياها بيوم الجمعة لاجتماعهم فيه، هداية من الله تعالى، و إلا فكانت تسمى في الجاهلية يوم العروبة، أي الرحمة، و لم يجمّع (صلّى اللّه عليه و سلّم) بمكة، مع فرض الجمعة و هو بها؛ لعدم التمكن من فعلها هناك، و لم يأمر بها مصعبا عند إرساله إلى المدينة لعدم وجود شرطها من العدد المذكور حينئذ. و فشا الإسلام بالأنصار، و أسلم سعد بن معاذ سيد الأوس، و سعد بن عبادة سيد الخزرج.
و في سنة اثنتى عشرة من النبوة أسرى بالنبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و قيل سنة إحدى عشرة من النبوة كما سبق.
و هناك عقبة ثالثة، و هو: أنه خرج جماعة من الأنصار المسلمين إلي الموسم مع حجاج قومهم غير المسلمين، حتّى إذا قدموا على مكة فواعدوا رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) العقبة من أوسط أيام التشريق [١]، فلما مضى ثلث الليل اجتمعوا في الشّعب، و هم ثلاثة و تسعون رجلا و امرأتان: أمّ عمارة إحدى بني مازن بن النجار، و أسماء بنت عمرو بن عدي، فجاءهم النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و معه العباس بن عبد المطلب، و هو علي دين قومه، إلا أنه أحب أن يظهر على أمر ابن أخيه و يتوثّق به، فلما جلس كان أوّل متكلم، فقال: «يا معشر الخزرج، إن محمدا منّا حيث علمتم، و قد منعناه من قومنا، فمن هو علي مثل ما رأينا فيه فهو في عزّ قومه و منعة في بلده، و إنه قد أبي الانحياز إليكم و اللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، و مانعوه ممن خالفه، فأنتم و ما تحمّلتم من ذلك، و إن كنتم ترون
[١] أيام التشريق هى ثلاثة أيام بعد يوم النحر.