نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٦١ - الفصل الثامن في ظواهر السنة الثامنة و ما فيها من الغزوات
نذرها، فجاء عثمان بن طلحة رضى الله عنه بالمفتاح إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و قال: يا رسول الله، إنها لم تفتح ليلا قط، قال: فلا تفتحها. ثم أخذ رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بيدها و أدخلها الحجر، و قال: «صلّى هاهنا؛ فإن الحطيم (أى الحجر) من البيت، إلا أن قومك قصرت بهم النفقة (أى الحلال) فأخرجوه من البيت، و لو لا حدثان قومك بالجاهلية لنقضت بناء الكعبة، و أظهرت قواعد الخليل، و أدخلت الحطيم في البيت، و ألصقت العتبة على الأرض، و لئن عشت إلى قابل لأفعلن ذلك» و لم يعش (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و لم تتفرغ الخلفاء لذلك [١].
و لما اطمأن الناس خرج رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى الطواف؛ فطاف بالبيت سبعا على راحلته، و استلم الركن، و دخل الكعبة و رأى فيه الشخوص على صور الملائكة، و صورة إبراهيم و في يده الأزلام يستقسم بها، فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «قاتلهم الله جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام! ما شأن إبراهيم و الأزلام؟! ما كان إبراهيم يهوديا و لا نصرانيا، و لكن كان حنيفا مسلما، و ما كان من المشركين» ثم أمر بتلك الصور فطمست، و صلّى في البيت، ثم جلس على الصفا فاجتمع الناس لبيعته على الإسلام، فكان يبايعهم على السمع و الطاعة لله و لرسوله، فبايع الرجال، ثم النساء [٢].
روى أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) عهد إلى أمرائه حين أمرهم أن يدخلوا مكة ألا يقاتلوا إلا من قاتلهم، إلا أحد عشر رجلا و ست نسوة، فإنه أمر بقتلهم أينما ثقفوا من الحل و الحرم، و إن وجدوا تحت أستار الكعبة.
أما الرجال الأحد عشر: فأحدهم عبد الله بن خطل (رجل من بنى تميم بن غالب بن فهر، و قد كان قدم بالمدينة قبل فتح مكة و أسلم، و كان اسمه عبد
[١] بل إنهم قد نهوا عن ذلك، لئلا يتخذه الملوك لعبة لهم، كلما جاء ملك جدد، فهدم و بني، و بيت الله ينزه عن ذلك، كما قال عبد الله بن عباس لابن الزبير رضى الله عنهما- حينما كان محصورا بمكة من قبل الحجاج بن يوسف، و أصاب الكعبة المنجنيق- فقال عبد الله بن عباس:
دعها على ما أقرّها رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فإني أخشى أن يأتى بعدك من يهدمها، فلا تزال تهدم و تبني، فيتهاون الناس بحرمتها، و لكن ارفعها. (انظر الجامع اللطيف في فضل مكة و البيت الشريف ص ٨٦).
[٢] كانت مبايعته للنساء كلاما باللسان فقط.