نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤١٥ - الفصل الأوّل في ذكر وفاته
اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران: ١٤٤]- و لم يكن فيهم أثبت منه و من العباس.
و ما ترك رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) عند موته درهما و لا دينارا، و لا عبدا و لا شيئا، إلا بغلته البيضاء و سلاحه، و أرضا جعلها صدقة.
و عن عائشة- رضى الله عنها- أن فاطمة سألت أبا بكر بعد وفاة رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) ميراثها من تركة رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) من خيبر و فدك، فقال أبو بكر: إن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «لا نورث؛ ما تركناه صدقة»، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة شيئا؛ فوجدت فاطمة علي أبى بكر في ذلك؛ فهجرته فلم تزل مهاجرته حتّى توفيت [١].
و روى البيهقى عن الشعبى أن أبا بكر عاد فاطمة في مرضها، فقال لها عليّ:
هذا أبو بكر يستأذن عليك؟ قالت: أ تحب أن اذن له؟ قال: نعم. فأذنت له. فدخل عليها فترضّاها حتّى رضيت [٢].
[١] قول الشيخ (رحمه الله) «فلم تزل مهاجرته حتّى توفيت». افتراء محض من المؤرخين، و الّذي يستعرض موقف الصحابة عند موت رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و يعرف مدى المصيبة التى حلّت بهم، يعرف أيضا موقف السيدة فاطمة- رضى الله عنها- من هذه الصدمة. هذا أحدهم يدعو على نفسه بالعمي، حتى لا يرى أحدا بعد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و يستجاب له، و هذا سيدنا عمر قد حدث له ما حدث، حتى هاج في الناس، و قال: «من يزعم أن محمدا قد مات قتلته بسيفى هذا». و هذا أبو بكر رضى اللّه عنه و أرضاه، أخذ جسمه في النقصان و النحول حتّى مات بعد عامين و أشهر من موت رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم). و هذا. و هذا، و عدد كبير من الصحابة رضى الله عنهم حدث منهم ما ينكر لو لم يكن هذا الحادث، فما بالك بالسيدة فاطمة- رضى الله عنها- و أرضاها. مطالبتها بالميراث صحيحة، و لكن غضبها من أبى بكر افتراء و كذب، نعم، إنها جلست في بيتها ستة أشهر لم تكلمه، و لم تكلم أحدا؛ لما هى فيه من البلوى التى حلّت بها، و قد عبّرت عن هذا عند ما زارت أباها [بعد انتقاله بقولها:
صبّت عليّ مصائب لو أنها * * * صبّت على الأيام عدن لياليا
و أما حديث «نحن معاشر الأنبياء لا نورث: ما تركناه صدقة» فقد رواه أبو بكر، و عمر، و عثمان، و علي بن أبى طالب، و طلحة، و الزبير، و سعد بن أبى وقاص، و عبد الرحمن بن عوف، و العباس، و أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و الرواية عنهم ثابتة في الصحاح و المسانيد. و لم تحرم السيدة فاطمة من الميراث واحدها، و إنما أيضا أزواجه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فلم لم يثر الشيعة الضجة بأن أزواجه (صلّى اللّه عليه و سلّم): لم لم يورّثن أيضا؟ و هذا واحده أكبر دليل علي أنها زوبعة مقصودة للإفساد، لا حبّا في السيدة فاطمة رضى الله عنها- و الله تعالى أعلم.
[٢] إنما ترضّاها سيدنا أبو بكر مخافة أن تكون غاضبة منه، و في الحديث جملة من آداب بيت النبوة، منها قولها: «أ تحب أن اذن له» لأن المرأة ليس لها أن تأذن في بيت زوجها إلا بإذنه.