نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٣٨ - إسلام عمير بن وهب
التراب لابسا أثوابا خلقة، فقال: إنّى أبشّركم بما يسرّكم، إنه قد جاءنا من نحو أرضكم عين لي، فأخبرنى أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) مع أعدائه بمحلّ يقال له بدر، فكانت النصرة لرسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقال له جعفر: ما لك جالس على التراب و عليك هذه الثياب؟ قال: «إنا نجد فيما أنزل الله تعالى على عيسى (عليه السلام) أن حقا على عباد الله تعالى أن يحدثوا له تواضعا إذا أحدث لهم نعمة» قال: و لما أوقع الله تعالى بالمشركين يوم بدر، و استأصل رؤساءهم قالوا: إنّ ثأرنا بأرض الحبشة، فلنرسل إلى ملكها ليدفع إلينا من عنده من أتباع محمد فنقتلهم بمن قتل منا.
فأرسلوا عمرو بن العاص، و عبد الله ابن ربيعة- رضى الله تعالى عنهما، (فإنهما أسلما بعد ذلك)، و معهما طائفة من كفار قريش إلى النجاشى ليدفع إليهما من عنده من المسلمين، و أرسلوا معهما هدايا و تحفا للنجاشي، فلما وصلا إليه ردّهما خائبين، و لما بلغ (صلّى اللّه عليه و سلّم) ذلك بعث إلى النجاشى عمرو بن أمية الضمرى رضى الله تعالى عنه- بكتاب يوصيه فيه على المسلمين الذين عنده بالحبشة.
و قد سبق التنويه إلى ذلك (فى الفصل الثانى من الباب الثانى في الهجرتين إلى الحبشة).
و سيأتى الكلام على ذلك في قدوم جعفر من الحبشة في غزوة خيبر.
و يقال: إن عمرو بن العاص أسلم حينئذ على يد النجاشي، و لهذا يلغز، و يقال:
من هو الصحابى الّذي أسلم على يد تابعي؟ و منشأ هذا ما قاله بعض أهل السير حكاية عن عمرو بن العاص عن نفسه من أنه قال: لما انصرفنا مع الأحزاب عن الخندق، جمعت رجالا من قريش كانوا يرون رأيي و يسمعون مني، فقلت لهم: تعلمون و الله إنى أرى أمر محمد يعلو الأمور علوّا منكرا، و إنى قد رأيت أمرا، فما ترون فيه؟ قالوا: و ما ذا رأيت؟ قال: رأيت أن نلحق بالنجاشى فنكون عنده، فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي، فإنا أن نكون تحت يديه أحب إلينا من أن نكون تحت يد محمد، و إن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا، فلن يأتينا منهم إلا خير، قالوا: إن هذا الرأي، قلت: فاجمعوا ما نهدى له، و كان أحب