نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٩ - طهارة مولده و شرفه
سرّهما عليه، ليكون مختصا بنسب جعله الله للنبوة غاية، و لتفرّده نهاية، فلا يشارك فيه و لا يماثل، فلذلك مات أبواه في صغره، فهو سلالة اباء كرام، ليس فيهم مسترذل و لا مستبذل، بل كلهم سادة قادة، و شرف النسب و طهارة المولد من شروط النبوّة، و لبعضهم:
تنقّل أحمد نورا مبينا * * * تلألأ في وجوه الساجدينا
تقلّب فيهم قرنا فقرنا * * * إلى أن جاء خير المرسلينا
روى عن هشام بن محمد السائب الكلبى عن أبيه قال: «كتبت للنبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) خمسمائة أم، فما وجدت فيهن سفاحا و لا شيئا مما كان في الجاهلية». انتهي.
و لعل هؤلاء الأمهات من جهة الأصلين، أى أمهات أبيه و أمه، و أمهات آبائهم و أمهاتهم؛ لإمكان السنين التي تحسب فيها الأجيال.
و عن علي بن أبى طالب رضى الله عنه أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «خرجت من نكاح و لم أخرج من سفاح من لدن آدم إلى أن ولدنى أبى و أمي، لم يصبنى من سفاح الجاهلية شيء» [١] و من ثمّ ورد عن ابن عباس مرفوعا «لم يلتق أبواى قط على سفاح، و لم يزل الله ينقلنى من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة مصفّى مهذبا؛ لا تتشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما» [٢]. و بالجملة فكان نكاح النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) كنكاح الإسلام في أنه بإيجاب و قبول، و إن لم يكن مستجمعا للشروط التى اعتبرت فيما بعد في نكاح الإسلام؛ لأن استيفاء شروطه الإسلامية كان
[١] رواه العدني، و ابن عدي، و الطبراني في الأوسط عن على كرم الله وجهه. و قال: «خرجت من نكاح و لم أخرج من سفاح، رواه ابن سعد عن السيدة عائشة رضى الله عنها، و قالت: «نكاح كنكاح الإسلام».
[٢] رواه أبو نعيم و لفظه: «... لم يلتق أبواى قط على سفاح؛ لم يزل ينقلنى من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة مصفى مهذبا، لا تتشعب بى شعبتان إلّا كنت في خيرهما، قد أخذ الله بالنبوة ميثاقي» ا ه. من مواكب ربيع للحلوانى ص ١٤٤، و هو المعنىّ بقوله تعالى: وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: ٨١].
و روى البيهقى في سننه قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «ما ولدنى من نكاح الجاهلية شيء؛ ما ولدنى إلا نكاح الإسلام».