نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤٠٧ - الفصل الأوّل في ذكر وفاته
و لم يوص (صلّى اللّه عليه و سلّم) بما يورث؛ إذ لم يترك دينارا، و لا درهما، و لا عبدا، و لا أمة، و لا شاة، و لا بعيرا، بل توفى و لم يجد ما يفكّ به درع حربه الزردية، و هى ذات الفضول (بالضاد المعجمة لطولها) أرسل بها إليه سعد بن عبادة حين سار إلى بدر، و كانت من حديد، و هى التى رهنها عند أبى الشحم اليهودى على ثلاثين صاعا من شعير، و كان الدّين إلى سنة. إنما أوصى بكتاب الله المبين، و بالصلاة و الزكاة و الأرقاء ملك اليمين، حتى إنّ صدره ليغرغر بذلك، و ما يكاد لسانه يبين. و فعله [١] (صلّى اللّه عليه و سلّم) من باب التشريع، و إلا فالنبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) أغنى العالمين على الإطلاق، و كذا الأنبياء (عليهم الصلاة و السلام)، لم يبعثوا إلا ليشرّعوا، فكان دينه (صلّى اللّه عليه و سلّم) تشريعا لأمته، و يجوز الدّين برهن و غير رهن، و قد ورد في الحديث: «تداينوا ترزقوا» [٢] و معناه إذا كان خفيفا، و ورد في حديث اخر: «يد الله فوق يد المدين ما دام ينوى السداد» [٣].
و كان أبو بكر الصديق رضى الله عنه يحب الدين الخفيف؛ حتى يدخل في الحديث.
* و بعد وفاته دهش الناس و طاشت عقولهم، و اختلفت أحوالهم في ذلك؛ فقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: من قال إن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) مات علوت رأسه بسيفى هذا، و إنما ارتفع إلى السماء. فقرأ أبو بكر رضى الله عنه: وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ إلى قوله وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران:
١٤٤، ١٤٥] فرجع القوم إلى قوله و بادروا إلى سقيفة بنى ساعدة، و هي دار سعد بن عبادة، و كان سعد بن عبادة مريضا، و قالوا: نوليه هذا الأمر، فبايع عمر أبا بكر، ثم بايعه الناس خلا جماعة.
و غسل (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثلاث مرات؛ الأولى بالماء القراح، و الثانية بالماء و السدر، و الثالثة
[١] أى الدين.
[٢] و روى الإمام أحمد أن أم المؤمنين السيدة عائشة رضى الله عنها كانت تكثر من الاستدانة و لها عنها مندوحة، قالت: قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «ما من عبد كانت له نية في أداء دينة إلا كان له من الله عون» فأنا ألتمس العون من الله. و زاد الطبراني «و سبّب له رزقا». و كذلك كانت تفعل أم المؤمنين ميمونة رضى الله عنها التماسا لمعونة الله تعالى.
[٣] و روى الإمام أحمد أن أم المؤمنين السيدة عائشة رضى الله عنها كانت تكثر من الاستدانة و لها عنها مندوحة، قالت: قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «ما من عبد كانت له نية في أداء دينة إلا كان له من الله عون» فأنا ألتمس العون من الله. و زاد الطبراني «و سبّب له رزقا». و كذلك كانت تفعل أم المؤمنين ميمونة رضى الله عنها التماسا لمعونة الله تعالى.