نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٠٠ - الفصل الأوّل فى رسالته
ولاء الروم؛ فببركته (صلّى اللّه عليه و سلّم) و بتوسطه في المنع خاب سعي الحويرث.
و من محاسنه أيضا و مكارم أخلاقه كفالته ابن عمه عليّ بن أبى طالب.
و منها فديته زيدا القضاعى بن حارثة بن شرحبيل الّذي وقع أسيرا عند أعدائه، فاشتراه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أعتقه، فظهر لقريش حكمه و كرمه، و أنه فاق في ذلك آباءه و أجداده.
قريش خيار بني آدم * * * و خير قريش بنو هاشم
و خير بني هاشم كلهم * * * نبيّ الإله أبو القاسم
و كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) أمّيا لا يكتب و لا يقرأ، و في وجوده بهذه الصفة تنبيه على أنّ كمال علمه مع حالة الأمية من معجزاته، و نسبته إلى الأم كأنه على حاله التى ولد عليها، لا يعرف كتابة و لا قراءة، و في الحديث: «إنّا أمّة أميّة لا نحسب و لا نكتب» [١].
و كانت الأمية في حقه (صلّى اللّه عليه و سلّم) معجزة، و إن كانت في حقّ غيره غير ممدوحة، قال القاضى عياض: «لأن معجزته العظمى القرآن العظيم، إنما هى متعلقة بطريقة المعارف و العلوم، مع ما منح (صلّى اللّه عليه و سلّم) و فضّل به من ذلك، و وجود مثل ذلك ممن لم يقرأ و لم يكتب و لم يدارس و لم يلقّن مقتضى العجب و منتهى العبر و معجز للبشر؛ فليس فيه إذ ذاك نقيصة؛ إذ المطلوب من القراءة و الكتابة المعرفة، و إنما هى آلة و واسطة موصّلة إليها، غير مرادة في نفسها، فإذا حصلت الثمرة و المطلوب استغنى عن الواسطة».
و قال أيضا: «إنّ من وصفه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالأمية أو نحوها من اليتم و ما جرى عليه من الأذي؛ فإن قصد بذلك مقصده من التعظيم و الدلالة على نبوته و نحو ذلك كان حسنا، و من أراد ذلك على غير وجهه، و علم منه سوء مقصده لحق بالسّابّ، فيقتل أو يؤدّب بحسب حاله». انتهي.
[١] متفق عليه و رواه أبو داود و النسائى عن ابن عمر.