نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٠٢ - الفصل الأوّل فى رسالته
نعم، لم يأت رجل بمثل ما جئت به إلا عودى، و إن يدركنى يومك أنصرك نصرا مؤزرا. ثم لم يلبث ورقة أن توفي.
و فتر الوحى نحو ثلاث سنين [١].
و إنما كان بدء الوحى بالرؤيا الصادقة لئلّا يفجأ الملك و يأتيه بصريح النبوّة بغتة فلا تقبلها القوى البشرية، فبدئ بأول تباشير النبوة و خصال الكرامة تأنيسا و تمرينا له. فلما تمرن على ذلك في المنام جاءه الملك في اليقظة بصريح النبوة و الكلام، ثم بعد ذلك فتر الوحي نحو ثلاث سنين فيما جزم به ابن إسحاق، و قيل سنتين و نصفا [٢] ليذهب عنه ما وجده من الرّوع و ليزيد تشوّقه إلى العود، و من ثم حزن لذلك حزنا شديدا.
* ثم نزل عليه جبريل بعد ذلك بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ .. و تتابع الوحي، فهى أوّل ما نزل عليه بعد فترة الوحي [٣]، و نزولها ابتداء رسالته (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فهى متأخرة عن نبوته بثلاث سنين، و قيل مقارنة لنبوته، و أما اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ فهى أوّل ما نزل مطلقا، و القول بأن أوّل ما نزل مطلقا يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ باطل كما قاله النووي. و ظهر من نزول اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ أولا و نزول يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ بعد فترة الوحى أن نبوته (صلّى اللّه عليه و سلّم) كانت متقدمة على رسالته، كما صرّح به أبو عمر و غيره [٤]، و على ذلك يحمل قول صاحب جامع الأصول:
[١] هذا هو الرأى السائد بين المؤرخين، و هو الأقرب إلى الصواب.
[٢] ذكره الحافظ أبو القاسم السهيلى، قال: و قد جاء في بعض الأحاديث المسندة أن مدة هذه الفترة كانت سنتين و نصفا، و جاء عن ابن عباس أنها كانت أياما.
[٣] قال صاحب السيرة الحلبية: «... ثم رأيت في فتح البارى: ليس المراد بفترة الوحى المقدرة بثلاث سنين بين اقْرَأْ و يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ عدم مجىء جبريل (عليه الصلاة و السلام) إليه، بل تأخر نزول القرآن عليه فقط ...» ثم قال صاحب السيرة: فكان جبريل يأتى إليه بغير قران بعد مجيئه إليه باقرأ، و لم يجيء إليه بالقرآن الّذي هو يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ إلا بعد الثلاث سنين.
[٤] و في الحديث المتفق عليه: لما علّمهم الرسول (صلّى اللّه عليه و سلّم) الدعاء بقوله: «اللهم أسلمت نفسى إليك و وجّهت وجهى إليك و ألجأت ظهرى إليك؛ رغبة و رهبة إليك، لا ملجأ و لا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الّذي أنزلت و نبيك الّذي أرسلت» قال رجل من الحاضرين: «و رسولك الّذي أرسلت» فضرب النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) على صدره و قال: «كنت نبيا قبل أن أكون رسولا».