نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٨٨ - غزوة بنى النضير
«وا قوماه»، فأتى سعد على حمار، فلما دنا قريبا من باب المسجد، و انتهى رضى الله عنه إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و إلى المسلمين و هم حوله جلوس، قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) للأنصار: قوموا إلى سيدكم [١]، فقاموا صفين، كل رجل منهم يحيى سعدا، حتى انتهى إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقال: احكم يا سعد، فقال: الله و رسوله أحقّ بالحكم، قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): قد أمرك الله أن تحكم فيهم، فقال سعد لبنى قريظة: أ ترضون بحكمي؟
قالوا: نعم، فأخذ عليهم عهد الله و ميثاقه أنّ الحكم ما حكم به سعد، قال سعد:
فإني أحكم فيهم أن تقتل الرجال، و تقسّم الأموال، و تسبي الذرارى و النساء، فقال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) لسعد: «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات» [٢].
و ما أحسن قول من قال:
ليت دهري حاكم لي * * * في عدوّي ليغيظه
و هو قد يحكم يوما * * * حكم سعد في قريظة
و أخرج أحمد عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال: دمي يوم الأحزاب سعد بن معاذ فقطع الجلد، فحسمه (*) رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالنار، فانتفخت يده فنزف، فلما رأى ذلك قال: «اللهم لا تخرج نفسى حتّى تقرّ عينى من بنى قريظة»، فاستمسك عرقه، فما قطر قطرة حتّى نزلوا على حكم سعد، فأرسل إليه، فحكم أن تقتل رجالهم و تسبى نساؤهم و ذراريهم ليستعين بهم المسلمون، فقال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «أصبت حكم الله فيهم»، فلما فرغ منهم انفتق عرقه فمات رضى الله عنه، كما سيأتى قريبا. و ينسب لحسان بن ثابت في رثائه قوله:
لقد سجمت [٣]من دمع عينى عبرة * * * و حقّ لعيني أن تفيض علي سعد
قتيل ثوى في معرك فجعت به * * * عيون ذراري [٤]الدّمع دائمة الوجد
على ملّة الرحمن [٥]وارث جنّة * * * مع الشهدا، وفدها أكرم الوفد
فإن تك قد ودّعتنا و تركتنا * * * و أمسيت في غبراء مظلمة اللّحد
[١] حديث ثابت في كثير من كتب السنة و المغازي، و فيه رد على طوائف المتفيهقة.
[٢] و في رواية: «من فوق سبعة أرقعة».
* يقال: حسم العرق إذا قطعه و كواه لئلا يسيل دمه.
[٣] سال دمعها غزيرا.
[٤] ذرارى الدمع من ذر الحب و الملح و الدواء: فرقه، و المعنى أن دمعى متفرق و لكن قلبى دائم الوجد و الحزن.
[٥] و المعنى أنه على ملة الرحمن، و مات مسلما شهيدا، رضى الله عنه.