نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٥٧ - مسألة رؤية اللّه
و لم يستدل القوم بآيتي النجم لاحتمالهما رؤية و جبريل، و قد وردت الآثار بمستند كلّ من الاحتمالين في الآيتين، و إنما الراجح كما قاله بعض المتأخرين:
أن الرؤية بالبصر و أن المرثى هو الله تعالى لا جبريل [١]، و قد ذهب جماعة إلى الوقف في هذه المسألة و لم يجزموا بنفى و لا إثبات لتعارض الأدلة، و رجّحه أبو العباس القرطبى في «المفهم» [٢] و عزاه لجماعة من المحققين، و قوّاه بأنه ليس فى الباب دليل قاطع، و غالب ما استدلّ به الطائفتان ظواهر متعارضة قابلة للتأويل.
قال القرطبى: و ليست المسألة من العلميات [٣] حتى يكتفى فيها بالأدلّة الظنية، و إنما هى من المعتقدات التى يطلب فيها الدليل القطعى.
و ردّه السبكى في «السيف المسلول» بأنه ليس من شرط جميع مسائل الاعتقاد الثبوت بالدليل القطعى، بل متى كان حديثا صحيحا، و لو ظاهرا، و هو من رواية الآحاد جاز أن يعتمد عليه في بعض تلك المسائل، حيث لم يكن من مسائل الاعتقاد التى يشترط فيها القطع، على أنّا لسنا مكلفين بذلك [٤].
و قد اختلف في رؤيته في المنام، و معظم المثبتين للرؤية في الدنيا على جوازها من غير كيفية وجهة، و نقل عن القاضى عباس اتفاق العلماء على جواز رؤية الله تعالى في المنام، و صحتها إن ادّعاه من هو أهله، كولىّ يوثق به، و يكون ذلك تخصيصا للعموميات، كقوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ، و أما إن ادعاه من ليس من أهله كالعاصى و المقصّر، فإنا نكذبه، و مع ذلك فالرؤية المنامية ليست من قبيل المشاهدة البصرية الحقيقة، و إنما هى من قبيل نوع مشاهدة بالقلب دون العين، و هى أيضا غير الرؤية القلبية التى في اليقظة؛ فرؤيته (صلّى اللّه عليه و سلّم) لربه ليلة الإسراء كانت يقظة بصرية أو قلبية، يعنى رؤية صحيحة،
[١] لا نوافق على هذا أبدا، لأن قوله تعالى: وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى. عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى [تحديد مكان، و الله تعالى لا يحل في مكان، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا؛ إذ المكانية صفة للمخلوق.
[٢] كتاب المفهم لشرح صحيح مسلم للإمام القرطبى.
[٣] فى الأصل «العمليات».
[٤] نعم لسنا مكلفين بالبحث في الأمور التى لا تحيط بها العقول «لا يكلف الله نفسا إلا وسعها».