نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٦٣ - الفصل الرابع في ظواهر السنة الرابعة من الهجرة و ما فيها من الغزوات
الفصل الرابع في ظواهر السنة الرابعة من الهجرة و ما فيها من الغزوات
* و في هذه السنة كانت غزوة بنى النضير: و نقل عن النووى في «الروضة» أن غزوة بنى النضير كانت سنة ثلاث، و أن تحريم الخمر كان بعد غزوة أحد [١]، و كلامه يميل إلى أن تحريم الخمر كان سنة ثلاث، و رجّح الدمياطى أيضا في سيرته أن التحريم كان في السنة الثالثة.
و القول بأن التحريم كان في السنة الرابعة مشهور، و هناك قول اخر راجح، و هو: أنها كانت في غزوة الحديبية سنة ست من الهجرة، بدليل أنّ أنسا كان ساقيا لها، و لما ورد النهي عن ذلك أراقها، و لو كان ذلك سنة أربع لكان أنس يصغر عن ذلك، و يرجحه قولهم: إن تحريم الخمر كان قبل الفتح، و ربما يجمع بين الأقوال بما رواه أحمد عن أبى هريرة أنها حرّمت ثلاث مرات، قال: «قدم المصطفى (صلّى اللّه عليه و سلّم) المدينة و هم يشربونها، و يأكلون [٢] الميسر، فسألوه عنهما، فأنزل الله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ ... [البقرة: ٢١٩]، قال الناس: ما حرّم علينا إنما قال «فيهما إثم كبير و منافع للناس». و كانوا يشربون الخمر حتّى صلّى يوما رجل من المهاجرين، و أمّ أصحابه في المغرب، فخلط في قراءته، فأنزل الله تعالى الآية التى في النساء: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ [النساء: ٤٣]، فكان الناس يشربونها في وقت دون وقت، ثم نزلت الآية التى في المائدة، بالتأكيد، و هى قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ [المائدة: ٩٠، ٩١]، إلى قوله تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ قالوا: انتهينا ربّنا.
قال المفسرون: لما أنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ [المائدة: ٨٧]، و قوله: وَ كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً [المائدة:
٨٨]، و قوله تعالى: وَ مِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَ الْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَ رِزْقاً حَسَناً
[١] و ذكر ابن هشام أنها كانت في ربيع الأوّل من السنة الرابعة.
[٢] انظر ابن كثير ص ٩٢ ج ٢.