نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٣٩ - الفصل السابع في ظواهر السنة السابعة ما فيها من الغزوات
خولي، و قعد جمع من المشركين بجبل «قعيقعان» [١] ينظرون إليه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و إلى أصحابه و هم يطوفون بالبيت، و قد قال كفار قريش: إن المهاجرين أوهنتهم حمى يثرب، ثم قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «رحم الله امرا أراهم من نفسه قوة» فأمر أصحابه أن يرسلوا الأشواط الثلاثة، أى ليروا المشركين أن لهم قوة، فعند ذلك قال بعضهم لبعض: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد أوهنتهم؛ إنهم لينفرون نفر الظبى؟!
و إنما لم يأمرهم (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالرمل في الأشواط كلها رفقا بهم، و اضطبع (صلّى اللّه عليه و سلّم) بأن جعل وسط ردائه تحت عضده الأيمن، و طرفيه على عاتقه الأيسر، ففعلت الصحابة رضى الله عنهم كذلك، و هذا أوّل رمل و اضطباع في الإسلام، فكان ابن عباس يقول: كان الناس يظنون أنها ليست سنّة عليهم، و أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إنما صنعها لهذا الحى من قريش، للذي بلغه عنهم حتّى حجّ حجة الوداع، فلزمها، فدلّ على أنها سنّة. ثم طاف رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بين الصفا و المروة على راحلته، فلما كان الطواف السابع عند فراغه و قد وقف الهدى عند المروة، قال: «هذا المنحر، و كلّ فجاج مكة منحر» فنحر عند المروة و حلق هناك، و كذلك فعل المسلمون.
و أقام (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثلاثة أيام، فلما تمت الثلاثة التى هى أمد الصلح، جاءه حويطب بن عبد العزى و معه سهيل بن عمرو رضى الله عنهما- فإنهما أسلما بعد ذلك- إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يدعوانه إلى الخروج هو و أصحابه من مكة، فقالوا: نناشدك الله و العقد إلا ما خرجت من أرضنا، فقد مضت الثلاث. فخرج رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) هو و أصحابه من مكة، و كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) تزوّج ميمونة بنت الحارث الهلالية رضى الله عنها، و كان اسمها برّة، فسمّاها رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) ميمونة، و هى أخت أم الفضل زوج العباس رضى الله عنها، و أخت أسماء بنت عميس لأمها- زوج حمزة رضى الله عنه- و كان تزوّجه بها (صلّى اللّه عليه و سلّم) قبل أن يحرم بالعمرة و قيل: بعد أن حلّ منها، و قيل:
و هو محرم. و بنى بها في عوده من مكة بمحل يقال له «سرف» ككتف، بقرب التنعيم، على ثلاثة أميال من مكة، و اتفق فيما بعد أنها ماتت بسرف و دفنت فيه، و في بعض السير أنها لما اعتلّت بمكة قالت: أخرجونى من مكة لأن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أخبرنى أنى لا أموت بها، فحملوها حتّى أتوا بها سرف، إلى الشجرة التى بنى بها رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) تحتها، فى موضع القبة، فماتت هناك سنة ثمان و ثلاثين، و هناك عند قبرها سقاية.
[١] فى الأصل «قينقاع» و هو خطأ، و في «المراصد» قعيقعان: جبل بمكة، الواقف عليه يشرف على الركن العراقى: (يعنى من الحرم الشريف).