نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٠١ - الفصل الأوّل فى رسالته
و كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) يختلى في كل سنة شهرا عن (*) أهل بيته في غار حراء [١] بقرب مكة، فيتعبد فيه الليالى ذوات العدد، غريقا في بحار الأفكار ملازما للصمت اناء الليل و أطراف النهار، حتى أتاه الوحى على رأس الأربعين سنة في محل العبادة بالنبوة، فأوّل ما بديء به من الوحى الرؤيا الصادقة في النوم؛ فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، فكانت تلك المنامات الصادقة مقدّمات للوحي، قيل مدتها ستة أشهر، ابتداؤها شهر ربيع الأوّل، ثم فجأه جبريل و هو بالغار المذكور فى شهر رمضان، فقال له: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، فغطّه [٢] حتى بلغ منه الجهد، ثم قال له: اقرأ [٣]، فقال: ما أنا بقارئ، فغطّه كذلك، ثم أعاد جبريل فقال له: اقرأ، و أعاد محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: ما أنا بقارئ، فقال له جبريل بعد المرة الثالثة: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ حتى بلغ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ فقرأها.
و «ما» فى قوله «ما أنا بقارئ» نافية في الكل، أو الأولى للامتناع، و الثانية للإخبار بالنفى المحض، و الثالثة استفهامية، و كرر عليه الغطّ ليقبل بكلّيته و يتم توجهه لما سيلقى عليه. و لما عاد إلى خديجة و أخبرها الخبر [٤] قالت: «و اللّه لا يخزيك اللّه أبدا إنك لتصل الرّحم و تقرى الضيف و تحمل الكلّ و تعين على نوائب الدهر» ثم انطلقت به حتّى أتت ابن عمها ورقة بن نوفل فأخبرته خبر ما رأي، فقال له ورقة: هذا الناموس الّذي أنزله اللّه على موسى، يا ليتنى فيها جذعا، ليتنى أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): أو مخرجيّ هم؟ قال:
* فى الأصل «مع أهل بيته» و هو خطأ ظاهر.
[١] «حراء» المقيم فيه تجتمع له ثلاث عبادات: الخلوة، و التعبد، و النظر إلى البيت. و قيل كانت قريش تفعله. و أوّل من فعل ذلك من قريش: عبد المطلب، و تبعه على ذلك من كان يتأله (أى يعبد اللّه تعالى) و كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) يخلو بمكان جده. (العمدة) ج ٢٠ ص ٥.
[٢] غطه: أي عصره عصرا شديدا (المعجم الوسيط: ٦٨٠).
[٣] و ما الّذي أراد بقوله «اقرأ»؟ قلت: هو المكتوب الّذي في النمط، (كذا في رواية ابن إسحاق) فلذلك قال: ما أنا بقارئ، يعنى أنا أمى لا أحسن قراءة الكتب انتهى. ما قاله العينى ج ٢٠ ص ٦ من العمدة طبع الحلبي.
[٤] و في السيرة الحلبية ما نصه: «... فما زلت واقفا، ما أتقدم أمامى و ما أرجع ورائى حتّى بعثت خديجة رسلها في طلبي، فبلغوا مكة و رجعوا إليها، و أنا واقف في مكانى، ثم انصرف عني، و انصرفت راجعا إلى أهلى، حتى أتيت خديجة فجلست إلى فخذها، مضيفا إليها ...» إلخ.