نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٨٣ - الفصل التاسع في ظواهر السنة التاسعة و ما فيها من الغزوات
فصالح النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) (يحنة) على إعطاء الجزية، فبلغت جزيتهم ثلاثمائة دينار، بعد أن عرض عليه الإسلام فلم يسلم، و كتب له و لأهل أيلة كتاب الصلح، و كتب أيضا لأهل أذرح و جرباء كتاب الصلح، و أن عليه مائة دينار في كل رجب، و صالح أيضا أهل (مينا) علي ربع ثمارهم، فمن هذا يفهم أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لم يتعرض فى غزوة تبوك لقتال الروم، و قد سبق الكلام عليه.
و لما وصل (صلّى اللّه عليه و سلّم) تبوك كان هرقل بحمص، قدم من القسطنطينية إليها، و كانت قاعدة مملكته بالشام، و كانت في زمانهم أعظم من دمشق، و لم يكن همّ بالذى بلغ رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) عنه من جمعه و لا حدّثته نفسه بذلك، و بعث (صلّى اللّه عليه و سلّم) دحية بكتاب إليه، فلما جاءه دعا قسّيسى الروم و بطارقتها، ثم أغلق عليه و عليهم، و قال: «قد نزل هذا الرجل حيث رأيتم، و قد أرسل يدعونى إلى ثلاث خصال: إما أن أتبعه على دينه، أو أن أعطيه ما لنا على أرضنا، و الأرض أرضنا، أو نلقى إليه الحرب، و و الله لقد عرفتم فيما تقرءون من الكتب ليأخذن موضع قدميّ هاتين، فهلم فلنتبعه علي دينه، أو أن نعطيه مالا» فنحروا [١] نخرة رجل واحد، حتى خرجوا من برانسهم [٢]، و قالوا: أ تدعونا إلى أن نذر النصرانية، أو نكون عبيدا لأعراب من الحجاز؟! فلما ظن أنهم إن خرجوا من عنده أفسدوا عليه الروم، قال: إنما قلت ذلك لأعلم صلابتكم علي أمركم. ثم دعا رجلا من عرب تجيب، كان على نصارى العرب، فقال: ادع لى رجلا حافظا للحديث، عربيّ اللسان أبعثه إلى هذا الرجل بجواب كتابه. فجاء التنوخي، فدفع إليه هرقل كتابا، و قال: اذهب بكتابى هذا إلى هذا الرجل فما سمعته من حديثه، فاحفظ لى منه ثلاث خصال: هل يذكر صحيفته التى كتب بشيء؟ و انظر إذا قرأ كتابي، فهل يذكر الليل؟ و انظر إلى ظهره، هل فيه شيء يريبك؟ قال: فانطلقت بكتابه حتى جئته تبوكا، فإذا هو جالس بين ظهرانى أصحابه محتبيا علي الماء، فقلت:
أين صاحبكم؟ قيل: ها هو ذا. فأقبلت أمشى حتّى جلست بين يديه، فناولته كتابي، فوضعه في حجره، ثم قال: ممن أنت؟ فقلت: أنا أحد تنوخ، قال: هل لك في الحنيفية ملة أبيك إبراهيم؟ قلت: إنى رسول قوم و علي دين قوم، حتى
[١] النخير: صوت بالأنف.
[٢] جمع برنس: ثوب رأسه ملتصق به.