نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٨٧ - غزوة بنى النضير
ناحية، و كانوا ألفا، و استعمل عليهم عبد الله ابن سلام، فتواثبت الأوس، و قالوا: يا رسول الله موالينا و حلفاؤنا، و قد فعلت في موالى إخواننا بالأمس ما قد فعلت، (يعنون بنى قينقاع)، لأنهم كانوا حلفاء الخزرج، و من الخزرج عبد الله بن أبيّ ابن سلول، و كانوا قد نزلوا علي حكم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فكلّمه فيهم عبد الله بن أبيّ ابن سلول، فوهبهم له، على أن يجلوا، (فطلبت) [١] الأوس من رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يهب لهم بنى قريظة كما وهب بنى قينقاع لإخوانهم من الخزرج، فلما كلمته الأوس أبى أن يفعل ببنى قريظة ما فعل ببنى قينقاع، ثم قال لهم: أ ما ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم؟ قالوا: نختار حكم سعد بن معاذ- رضى الله عنه- فرضى بذلك رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و أذن لسعد بن معاذ، و ليس إذنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لسعد بن معاذ في ذلك لكونه لا يجوز له (صلّى اللّه عليه و سلّم) الحكم بينه و بين محاربه، بل هو جائز له؛ فإنّ من خصائصه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يحكم لنفسه، فلأن يحكم بينه و بين محاربه من باب أولي، و معنى الحكم بينه و بين محاربه أن يقول للمحارب:
أترك قتالك على التزام كذا و كذا، أو على ما يقتضيه رأى فلان، و يحكم به فيك، و من هذا القبيل تحكيم سعد بن معاذ في بنى قريظة بأمر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فالتحكم في المحاربين من خصائص الإمام الأعظم [٢]، و من حقوقه؛ فلا يجوز لأحد أن يفتات عليه، و لا أن يفعله بغير إذنه، فالحكم في الحقيقة حقه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و قد ردّه إلى سعد و فوّض له فيه. و كان سعد بن معاذ- رضى الله عنه- حين أصابه السهم بالخندق وضع في خيمة في المسجد تداوى فيها الجرحى من أصحابه، فأتاه قوم فحملوه على حمار و ساروا به و هم يقولون: «يا أبا عمرو أحسن في مواليك؛ فإن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إنما ولّاك ذلك لتحسن فيهم، فقد رأيت عبد الله بن أبيّ ابن سلول و ما صنع في حلفائه»، كل ذلك و سعد بن معاذ ساكت، فلما أكثروا عليه قال- رضى الله عنه: «لقد ان لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم»، فقال بعضهم:
[١] فى الأصل (فظنت) و هو خطأ.
[٢] و هو النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقط، أما الأئمة- الحكام- فلهم ذلك في حدود الكتاب و السنة، أما إذا خالف القرآن الكريم و السنة النبوية الشريفة: فضرب كلامه عرض الحائط أولي، بدليل قوله (عليه الصلاة و السلام): «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» رواه الإمام أحمد و الحاكم، و روى النسائى قوله (عليه الصلاة و السلام): «لا طاعة لأحد في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف» و روى الإمام أحمد: «لا طاعة لمن لم يطع الله» و الأحاديث في هذا الباب كثيرة اكتفينا منها بما أوردنا.