نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤٤٦ - كيفية نزول القرآن
علي ذلك تجسد الأرواح و ظهورها في صور مختلفة من عالم من المثال، و قد يستأنس لذلك بقوله تعالى: فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا (١٧) [مريم: ١٧]. فتكون الروح الواحدة كروح جبريل في وقت واحد مدبّرة لشبحه الأعلى، و هذا الشبح المثالى الّذي تمثل لمريم. و ينحل بهذا ما قد اشتهر نقله عن بعض الأئمة، أنه سأله بعض الأكابر عن جسم جبريل (عليه السلام)، فقال: أين كان يذهب بجسمه الأوّل الّذي سد الأفق بأجنحته كما تراءى للنبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) في صورته الأصلية عند إتيانه إليه في صورة دحية؟ و قد تكلف بعضهم الجواب عنه بأنه يجوز أن يقال:
كان يندمج بعضه في بعض، إلي أن يصغر حجمه، فيصير بقدر صورة دحية، ثم يعود ينبسط إلى أن يصير كهيئته الأولى، على قاعدة جواز التخلخل و التكاثف في الأجسام. و ما ذكره الصوفية أحسن، و هو أن يكون جسمه الأوّل بحاله، لم يتغير، و قد أقام الله تعالى له شبحا اخر، و روحه تتصرف فيهما جميعا إلى وقت واحد، قال الصوفية: و على هذا الأصل تتخرج مسائل كثيرة، و تنحلّ بها إشكالات غير يسيرة.
و من أمهات معجزاته (عليه الصلاة و السلام): انشقاق القمر، و قد أجمع المفسرون و أهل السنة علي وقوعه لأجله (صلّى اللّه عليه و سلّم)؛ فإن كفار قريش لما كذبوه و لم يصدّقوه طلبوا منه آية تدل على صدقه في دعواه، فأعطاه الله تعالى هذه الآية العظيمة، التى لا قدرة لبشر على ايجادها، دلالة علي صدقه (عليه الصلاة و السلام) في دعواه الواحدانية لله تعالى، و أنه منفرد بالربوبية، و أن هذه الآلهة التى يعبدونها باطلة لا تنفع و لا تضرّ، و أنّ العبادة لا تكون إلا لله واحده لا شريك له.
قال ابن عبد البر: «قد روى هذا الحديث- يعنى حديث انشقاق القمر- عن جماعة كثيرة من الصحابة، و روى ذلك عنهم أمثالهم من التابعين، ثم نقله عنهم الجم الغفير، إلى أن انتهى إلينا و تأيّد بالآية الكريمة» أ. ه.
و في الترمذي من حديث ابن عمر في قوله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ (١) [القمر: ١]، قال: قد كان ذلك علي عهد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)؛ انشق فلقتين، فلقة دون الجبل و فلقة خلف الجبل، فقال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): اشهدوا.