نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤٤٤ - كيفية نزول القرآن
و كان جبريل يخبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بموضعها من القرآن. فالقران في اللوح المحفوظ على النحو الّذي في مصاحفنا الآن.
فإن قيل، فما معنى الإنزال؟ أجيب أن لهم فيه اختلافا، فمنهم من قال: إنه عبارة عن إظهار القراءة، و منهم من قال: إن الله ألهم كلامه جبريل و هو في السماء، و علّمه قراءته، ثم أدّاه جبريل في الأرض.
فإن قيل: فما كيفية التأدية؟ أجيب بأنهم ذكروا فيها طريقتين:
إحداهما: أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) انخلع من صورة البشرية إلي صورة الملكية، و أخذه من جبريل.
و ثانيتهما: أن الملك انخلع إلي البشرية حتّى يأخذه الرسول منه، و الأوّل أصعب الحالين.
و المراد بالانخلاع الظهور بتلك الصورة، لا مفارقة الطبع بالمرة كما هو ظاهر، فإن قيل: فما كيفية تلقّى جبريل له؟ أجيب بما قاله الطيبي: لعله تلقّفه من الله تلقّفا روحانيا، أو يحفظه من اللوح المحفوظ، فينزل به إلي الرسول و يلقيه عليه، و فسر بعض المحققين التلقف الروحانى بالإلهام.
فإن قيل: فما النازل علي النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)؟ أجيب بأن فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه اللفظ و المعنى، و أن جبريل حفظ القرآن من اللوح المحفوظ، و نزل به.
و الثاني: أن جبريل إنما نزل بالمعانى خاصة، و أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) علّم تلك المعانى و عبّر عنها بلغة العرب، و تمسك قائله بقوله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ [١].
و الثالث: أن جبريل ألقى عليه المعنى، و أنه عبّر بهذه الألفاظ بلغة العرب، و أن أهل السماء يقرءونه بالعربية، ثم إنه نزل به كذلك.
[١] (الشعراء: ١٩٢، ١٩٣).