نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤٤٥ - كيفية نزول القرآن
و أخرج ابن أبي حاتم عن سفيان الثوري، أنه لم ينزل وحى إلا بالعربية، ثم ترجم كل نبى لقومه، بدليل قوله تعالى: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ (٤) [إبراهيم: ٤]. و المراد بقومه أهل بلده، أى حيّه الّذي هو قريش: فهم قومه، و هم غير أهل دعوته [١]؛ إذ دعوته عامة لجميع الناس، بدليل قوله تعالى:
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً (١٥٨) [الأعراف: ١٥٨].
و قال بعضهم:
كتاب الله أفضل كلّ قيل * * * رواه المصطفى عن جبرئيل
عن اللوح المحيط بكل شيء * * * عن القلم الرفيع عن الجليل
و قد اختلف العلماء في ترتيب السور: هل هو توقيفى من النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)؟ أو باجتهاد من الصحابة؟ بعد الإجماع على أن ترتيب الآيات توقيفي، و القطع بذلك.
فذهب جماعة من العلماء إلى أن ترتيب السور باجتهاد من الصحابة، منهم الإمام مالك، و القاضى أبو بكر، في أحد قوليه، و جزم به ابن فارس، و بما استدل به لذلك اختلاف مصاحف السلف في ترتيب السور [٢].
و ذهب جماعة آخرون إلى أنه توقيفى، منهم القاضى أبو بكر في أحد قوليه، و خلائق، قال بعضهم: ترتيب السور هكذا هو عند الله في اللوح المحفوظ، علي هذا الترتيب.
و قد أثبت الصوفية عالم المثال، و جعلوه عالما متوسطا بين عالم الأجساد و الأرواح، و قالوا هو ألطف من عالم الأجسام، و أكثف من عالم الأرواح، و بنوا
[١] يعني: و غير عشيرته كذلك هو مرسل إليهم، لأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مرسل للخلق كافة، و أما غيره من الرسل (عليهم الصلاة و السلام)، فلم يرسل أحدهم إلا إلى قومه و عشيرته و أهل بلده خاصة.
[٢] قال ابن كثير في فضائل القرآن: «و قد حكى القرطبيّ عن أبى بكر بن الأنبارى في كتاب (الرد) أنه قال: «فمن أخّر سورة مقدّمة أو قدّم أخرى مؤخّرة كمن أفسد نظم الآيات و غيّر الحروف و الآيات، و كان مستنده اتباع مصحف عثمان (رضي الله عنه)؛ فإنه مرتب علي هذه النحو المشهور». أ ه.
و الحقّ أن هذا هو الذي لا يحلّ غيره؛ لأن الصحابة أجمعوا علي شيء أخذوه عن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فأصبح ملزما بالاتباع.