نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٥١ - الفصل الثالث في ظواهر السنة الثالثة من الهجرة و ما فيها من الغزوات
الفصل الثالث في ظواهر السنة الثالثة من الهجرة و ما فيها من الغزوات
و في هذه السنة الثالثة من الهجرة كانت غزوة إمرّ [١]:
و يقال لها غزوة «غطفان» [٢] و غزوة «أنمار». و «إمر» بكسر الهمزة و فتح الميم و تشديد الراء: اسم ماء. و ذلك أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بلغه أن رجلا يقال له «دعثور» (بضم الدال و سكون العين ثم ثاء مضمومة) ابن الحارث الغطفانى (من بنى محارب) جمع جمعا من ثعلبة و محارب بموضع من ديار غطفان، يسمى ب «ذى إمر» باسم الماء الّذي فيه، يريدون الإغارة على أطراف المدينة، فخرج إليهم (صلّى اللّه عليه و سلّم) في أربعمائة و خمسين رجلا من أصحابه، لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوّل، فى السنة الثالثة من الهجرة، و استخلف على المدينة عثمان بن عفان، فلما سمعوا بمسير رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) هربوا في رءوس الجبال. و في هذا المحل أصاب رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) المطر الكثير، فبل ثيابه و ثياب أصحابه، فنزع (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثوبيه و نشرهما على الشجرة ليجفا، و اضطجع بمرأى من المشركين، فبعث المشركون دعثورا الّذي هو سيد القوم و أشجعهم المجمّع لهم، قالوا له: قد انفرد محمّد، فعليك به. فجاء و معه سيفه حتّى قام على رأس رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، ثم قال: من يمنعك منى اليوم؟
فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم): الله. و دفعه جبريل في صدره فوقع على ظهره، فوقع السيف من يده، فأخذ السيف رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و قال: من يمنعك منى اليوم يا دعثور؟ قال:
لا أحد، كن خير اخذ. فتركه و عفا عنه، فقال: أشهد ألا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله، و الله لا أجمّع الناس لحربك أبدا. فدفع له النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) سيفه، فقال دعثور: و الله إنك لخير مني، ثم أتى قومه فجعل يدعوهم إلى الإسلام، و أخبرهم أنه رأى رجلا طويلا دفعه في صدره، فوقع على ظهره، فقال: علمت أنه ملك، فأسلمت، فنزلت هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ... الآية [المائدة: ١١]، ثم أقبل رسول
[١] ذو إمر: موضع بئر، غزوة لرسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قيل: هو من ناحية النخل بنجد، من ديار غطفان، و الأمر: حجارة تجعل كالأعلام. كذا من المراصد بلفظه.
[٢] غطفان: اسم لقبيلة من قبائل العرب.