نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٢١ - مسألة الغرانيق و ما سمّوه الآيات الشيطانية
قد قتل، و قال يوم بدر لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَ إِنِّي جارٌ لَكُمْ [الأنفال: ٤٨].
و هذا الاحتمال غير مستحيل عقلا و شرعا، فتنة من اللّه و ابتلاء لعباده، لكنه إنما يجوز في غير مقام تبليغ الوحى و أداء الرسالة له، لأننا لو جوّزنا ذلك لارتفع الأمان عن شرعه، و لجوّزنا في كل ما بلّغه إلينا عن اللّه تعالى أن ينضم إليه غيره بخلط الشيطان، فظهر مما ذكرنا أن هذه القصة موضوعة، غاية ما في الباب أن جمعا من المفسرين (رحمهم الله) ذكروها، لكنهم ما بلغوا في الكثرة حدّ التواتر، و خبر الواحد لا يعارض الدلائل العقلية و النقلية و المتواترة، فلذلك قال البيضاوى في تفسير الآية: «ألقى الشيطان في تشهّيه ما يوجب اشتغاله في الدنيا، و لم يقل ما يوافق تشهيه من الكلام».
ثم قال البيضاوي: «و إن صحّ فالظاهر أن مبنى الصحة أن يتكلم به الشيطان عند سكوته (عليه الصلاة و السلام) عند قوله تعالى وَ مَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى. فإنه أقرب الاحتمالات المذكورة إلى الصحة؛ فيكون المعنى: ما من رسول و لا نبى قبلك إلا مكّنا الشيطان أن يلقى في قراءتهم مثل ما ألقى في قراءتك عند ما تمنيت، فلا تهتم بذلك؛ فإنا نجعل ذلك لإضلال قوم و هداية آخرين، و التمييز بين الثابت على الإيمان و المتزلزل عنه» انتهى كلام البيضاوي.
و عبارة العلّامة الشهاب الخفاجى في قوله «و هو مردود عند المحققين و إن صحّ ...» قد ذكرنا فيها ما قاله الشيخ زادة، و قال الشهاب الخفاجى فيها قوله:
«و هو مردود عند المحققين، و إن صح ...» إشارة إلى عدم صحته: رواية و دارية:
أما الأوّل (عدم صحته دارية)؛ فلما قاله القاضى عياض: إنه لم يوجد في شيء من كتب الحديث المعتمدة بسند صحيح معتمد عليه. و بالغ بعضهم فقال:
إنه من وضع الزنادقة، و أكثر المحدّثين على عدم صحّته.
و أما الثانى (عدم صحته رواية) فلما مرّ، فعلى تقدير صحته يكون خرج مخرج الكلام الوارد على زعمهم أو على الإنكار لا غير، أو المراد بالغرانيق:
الملائكة، و إجماله للابتلاء به.
و أما كونه ابتلاء من اللّه ليختبر به الناس، كما ذكره البيضاوى (رحمه الله تعالى)، فلا يليق به؛ لأنه إن كان بسهو منه فقد علمت أنه محفوظ عن مثله، و إن كان بتكلم الشيطان و إسماعه لهم، فكذلك لما يلزمه من عدم الوثوق بالوحي» انتهى كلام الشهاب.