نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٢٣ - مسألة الغرانيق و ما سمّوه الآيات الشيطانية
يعوّل على كلامه، لا سيما مع قول البيهقي: «إن رواة هذه القصة كلهم مطعون فيهم»، و مع قول النووى نقلا عن البيهقى و نصه: «و أما ما يرويه الأخباريون و المفسرون أن سبب سجود المشركين مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ما جرى على لسانه من الثناء على آلهتهم فباطل لا يصح منه شيء، لا من جهة النقل و لا من جهة العقل؛ لأن مدح إله غير اللّه كفر، و لا يصح نسبة ذلك إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و لا أن يقوله الشيطان على لسانه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و لا يصح تسليط الشيطان على ذلك، و لا يلزم عدم الوثوق بالوحي.
* و قال الفخر الرازي: «هذه القصة باطلة موضوعة لا يجوز القول بها، قال اللّه تعالى: وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) [النجم: ٣، ٤] و الشيطان لا يجترئ أن ينطق بشيء من الوحي.
* و في كتاب «الإبريز» للعارف باللّه تعالى سيدى عبد العزيز الدباغ ما يفيد تصحيح [١] قول القاضى عياض من أن حديث الغرانيق لا أصل له، ورد قول ابن حجر المحتاج للتأويلات في تفسيره الآية، ثم فسّرها صاحب الإبريز بتفسير بديع و أقرب للعقول، و عبارته: «إن اللّه تعالى ما أرسل من رسول و لا بعث نبيّا من الأنبياء إلى أمة من الأمم إلا و ذلك الرسول يتمنى الإيمان لأمته، و يحبه لهم و يرغّب فيه، و يحرص عليه غاية الحرص، و يعالجهم عليه أشد المعالجة، و من جملتهم في ذلك نبينا (صلّى اللّه عليه و سلّم) الّذي قال له الرب سبحانه فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً [الكهف: ٦]، و قال تعالى وَ ما أَكْثَرُ النَّاسِ وَ لَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف: ١٠٣]. إلى غير ذلك من الآيات المتضمّنة لهذا المعنى، ثم الأمة تختلف كما قال تعالى:
وَ لكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ [البقرة: ٢٥٣]، فأما من كفر فألقى إليه الشيطان الوساوس القادحة له في الرسالة الموجبة لكفره، و كذا المؤمن أيضا لا يخلو من وساوس القادحة؛ لأنها لازمة للإيمان بالغيب في الغالب، و إن كانت تختلف في الناس بالقلة و الكثرة، و بحسب المتعلقات، إذا تقرر هذا فمعنى تمنّي: أنه يتمنى الإيمان لأمته، و يحب لهم الخير و الرشد و الصلاح و النجاح، فهذه أمنية كل رسول و نبي، و إلقاء الشيطان فيها يكون بما يلقيه في
[١] أى اعتباره هو الصحيح.