نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٨٠ - غزوة بنى النضير
عليهم أصحابهم من اليهود حتّى نقضوا العهد، و صاروا مع الأحزاب، فعظم الخطب حتّى ظن المؤمنون كل الظن كما سبق، و نجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير: «كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى و قيصر، و أحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى قضاء الحاجة». كما قال تعالى: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَ إِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَ بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَ تَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَ زُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً (١١) [الأحزاب: ١٠، ١١].
و قال ابن عباس: كان الذين جاءوهم من فوقهم بنو قريظة، و من أسفل منهم قريش و غطفان أ. ه.
و المراد من فوقهم: من جهة المدينة، و من أسفل منهم: من جانب أسفل الوادي.
و أقام المشركون بضعا و عشرين ليلة، و رسول الله مقابلهم، و ليس بينهم قتال غير المراماة بالنبل و الحصار كما سبق، ثم خرج عمرو بن عبد ودّ- من ولد لؤى بن غالب- يريد المبارزة، فبرز إليه عليّ- رضى الله عنه- فقال عمرو:
يا ابن أخي، و الله ما أحبّ أن أقتلك، فقال علي: لكننى و الله أحب أن أقتلك.
فحمي عمرو، و نزل من على فرسه و سلّ سيفه كأنه شعلة نار، ثم أقبل نحو عليّ مغضبا، ثم التقيا، فاستقبله عليّ بدرقته فضربه فقدّها و أثبت فيها السيف، و أصاب رأسه فشجّه، و ضربه عليّ على حبل عاتقه فسقط و أثار العجاج [١]، و سمع النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) التكبير، فعرف أن عليا قتله، و انكشفت الغبرة، و إذ علا عليّ صدر عمرو يذبحه، ثم أهبّ الله ريح الصبا، إلى اخر ما سبق ذكره.
ثم أقبل عليّ و وجهه يتهلل، و لم يكن في العرب درع مثل درع عمرو، فخرجت خيولهم منهزمة، و ألقى عكرمة بن أبى جهل رمحه يومئذ، و هو منهزم عن عمرو، و خرج في إثرهم الزبير و عمر فناوشوهم ساعة، و حمل الزبير على رجل منهم [٢] فشقه نصفين، و قطع سرجه حتّى وصل إلى كاهل الفرس، فقيل له: ما رأينا مثل سيفك! فقال: ما هو السيف، إنه الساعد. ثم اتفق الكفار على أن يحملوا جميعا و لم يتخلف منهم أحد، فوافوا رسول الله عند طلوع الشمس و أحدقوا
[١] العجاج: الغبار.
[٢] هو هبيرة بن أبى وهب، زوج أم هانئ أخت الإمام على كرم الله وجهه.