نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٥٥ - الفصل الثالث في ظواهر السنة الثالثة من الهجرة و ما فيها من الغزوات
و دخل المسلمون عسكر المشركين.
و قاتل حمزة عمّ النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يومئذ قتالا شديدا، و قتل أرطاة حامل لواء المشركين- إلى أن قتل؛ ضربه وحشي عبد جبير بن مطعم، و كان حبشيا، بحربة فقتله، و كان حمزة مشغولا عنه بقتال سباع بن عبد العزّى، و في قتل وحشيّ حمزة، يقول حسان:
ما لشهيد بين أرماحكم * * * شلّت يدا وحشيّ من قاتل
و قتل أيضا مصعب بن عمير حامل لوائه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فظنّ قاتله أنه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقال لقريش: إنى قتلت محمدا، و شاع ذلك، و انتهى النضر بن أنس إلى جماعة من الصحابة، و قد دهشوا و قالوا: قتل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقال: فما تصنعون في الحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه. فاجتهدوا في القتال، ثم إن كعب ابن مالك الشاعر عرف رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فنادى بأعلى صوته يبشر الناس، و رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول له: أنصت؛ فاجتمع عليه المسلمون، و نهضوا معه نحو الشعب، فيهم أبو بكر و عمر و على و الزبير و الحارث بن الصمة الأنصاري، و غيرهم، و أدركه أبيّ بن خلف في الشعب، فتناول (صلّى اللّه عليه و سلّم) الحربة من الحارث بن الصمّة، و طعنه بها في عنقه، فكرّ أبيّ بن خلف منهزما، و قال له المشركون: ما بك من بأس؟ فقال: «و الله لو بصق عليّ لقتلني» فمات بسرف [١] و هم قافلون، و قال المصطفى (صلّى اللّه عليه و سلّم) «اشتدّ غضب الله على رجل قتل نبيا أو قتله نبي» [٢] فمات عدو الله في مرجعهم إلى مكة.
و كان أبو عزة الجمحيّ- أحد رؤساء حزب المشركين- وقع أسيرا في بدر، فمنّ عليه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أحلفه ألا يكثر عليه جمعا، و أرسله بغير فدية، فلما كانت غزوة أحد طلبه رؤساء قريش ليتوجه معهم للحرب فامتنع من النفوذ لما وجّهوه إليه، و قال: إن بلاء محمد عندى حسن، أطلقنى يوم بدر. فلم يزالوا به
[١] بالفتح، ثم بالكسر و آخره فاء: موضع على ستة أميال من مكة، من طريق «مرو» بنى به رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بميمونة بنت الحارث، و فيه ماتت رضى الله تعالى عنها و أرضاها.
[٢] و في رواية: «أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل قتل نبيا أو قتله نبي، أو رجل أفتى الناس بغير علم، أو مصور يصور التماثيل» رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود.