نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٥٤ - الفصل الثالث في ظواهر السنة الثالثة من الهجرة و ما فيها من الغزوات
أن يقيم بالمدينة، يقاتلهم فيها، فقال له ناس لم يكونوا شهدوا بدرا: «لتخرج بنا يا رسول الله نقاتلهم بأحد»، و رجوا أن يصيبوا من الفضيلة ما أصابه أهل بدر، فما زالوا برسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتّى لبس أداته، ثم ندموا، فقالوا: يا رسول الله: أقم، فالرأى رأيك. فقال: «فما ينبغى لنبى أن يضع أداته إذا لبسها حتّى يحكم الله بينه و بين عدوه» أ. ه.
و استخلف رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) على المدينة ابن أم مكتوم.
و خرج (صلّى اللّه عليه و سلّم) في ألف من الصحابة، و صار بين المدينة و أحد، و نزل الشّعب من أحد، و جعل ظهره إلى أحد، ثم كانت الوقعة يوم السبت لسبع مضين من شوال، و يقال عدّة أصحابه (صلّى اللّه عليه و سلّم) تسعمائة، و فيهم مائة دارع، و لم يكن معهم من الخيل سوى فرسين؛ فرس لرسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و فرس لأبى بردة، و لواء رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) مع مصعب بن عمير (من بنى عبد الدار)، و على ميمنة المشركين خالد بن الوليد، و على ميسرتهم عكرمة بن أبى جهل، و لواؤهم مع بنى عبد الدار. و جعل (صلّى اللّه عليه و سلّم) الرماة (و هم خمسون) وراءه. فالتقى الناس و دنا بعضهم من بعض، و قامت هند بنت عتبة زوج أبى سفيان رضى الله تعالى عنها (فإنها أسلمت بعد ذلك) و أمّ حكيم بنت طارق زوج عكرمة- رضى الله تعالى عنها- فى النسوة المصاحبات لجيش المشركين يضربن بالدفوف خلف الرجال، يحرّضن المشركين على القتال لحرب المسلمين، و يقلن:
نحن بنات طارق * * * نمشى على النّمارق
إن تقتلوا نعانق * * * أو تدبروا نفارق
فراق غير مالق
* * *
يردن: نحن بنات الكوكب، و إنه لا ينال. و يقال إن رملة بنت طارق، و أم حكيم بنت طارق قالتا ذلك، و قاله النساء معهن. و كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذا سمع قولهن هذا قال: «اللهم إنى بك أجول و أصول و فيك أقاتل، حسبي الله و نعم الوكيل».
و استمر القتل في أصحاب لواء المشركين، و رأى النساء برجالهن أمرا عظيما، حتى ولولن و تركن ما كنّ فيه، و انهزم المشركون، حتى انهزمت هند بنت عتبة و صواحبها متحيرات ما دونهن مانع و لا دافع، حتى لو شاء المسلمون لأخذوهن.