نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤٢٣ - الفصل الثانى فى ذكر بعض أخلاقه و صفاته
بنيّ اجتنب كلّ ذي بدعة * * * و لا تصحبن من بها يوصف
فيسرق طبعك من طبعه * * * و أنت بذلك لا تعرف
و قد سئل الشمس الرملي: كيف كان جبريل يقرئ النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)؟ فأجاب بأنه كان يقرأه عليه أولا ليعلّمه إياه، ثم بعد ذلك كان يدارسه القرآن، بأن يقرأ هذا على هذا و الآخر كذلك.
و كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) لا ينتقم لنفسه و لا يغضب لها، إلا أن تنتهك حرمات الله، فيغضب لله، و إذا غضب لم يقم لغضبه أحد، و كان أرجح الناس عقلا و أفضلهم، يكثر الذكر و يطيل الصمت، دائم البشر، و كان أصدق الناس و أوفاهم ذمة، و أوسعهم صدرا و أكرمهم عشيرة، و أحسنهم خلقا، و إذا انتهى إلي قوم جلس حيث ينتهى به المجلس، يؤلّف أصحابه و لا ينفّرهم، و يكرم كلّ كريم قوم و يولّيه عليهم، و يثنى على مكارم الأخلاق، فأثنى بذلك علي حاتم الطائى حين تعرفت إليه ابنته بأبيها، و ذلك أنها سبيت في جمع من نساء قومها في غزوة هوازن، فلما خرج رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) من المسجد قامت إليه فقالت: «يا محمد مات الوالد و غاب الوافد، فلا تشمت بى أحياء العرب، فإني ابنة من كان يقرى الضيف و يفك العاني، و يطلق الأسير و يعطى السائل» فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم): من أبوك؟ فقالت: حاتم الطائي، قال:
«خلّوا عنها إن أباها كان يحب مكارم الأخلاق» فأثنى على أبيها مع كفره، و خلّى عن ابنته و من معها لأجله، فهذه آثار صنائع المعروف مع الكفر و العصيان، فكيف مع الطاعة و الإيمان!!؟.
قيل: إن ابنة حاتم الطائى دعت لرسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) حين منّ عليها بالخلاص من الأسر فقالت: «شكرتك يد افتقرت بعد غني، و لا ملكتك يد استغنت بعد فقر [١]، و أصاب الله بمعروفك مواضعه، و لا جعل لك إلى لئيم حاجة، و لا سلبت نعمة عن كريم إلا و جعلت سببا لردّها».
[١] لأن اليد التى افتقرت بعد غنى هى أليف الكرم، و الأخرى و العياذ بالله أليف الفقر و ضجيعه، أرضعها بلبانه.