نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣١٦ - الفصل السادس في ظواهر السنة السادسة و ما فيها من الغزوات
و قد علمت ما في هذا الكلام، و إن كان معناه لا يستكثر على عليّ رضى الله عنه.
* و أتى أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيده من مكة في أثناء الكتاب، و كان قد أسلم، فقال سهيل بن عمرو: هذا أوّل ما أقاضيك عليه أن تردّه إليّ، فردّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى أبيه، و عظم ذلك علي المسلمين، و أخبر النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) أبا جندل:
أن الله سيجعل له فرجا و مخرجا، إننا قد عقدنا بيننا و بين القوم عقدا و اصطلحنا، و أعطيناهم علي ذلك و أعطونا عهد الله، و إنّا لا نغدر بهم.
و لما تمّ الصلح و كتابه أمر رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن ينحروا و يحلقوا، فتوقفوا، فغضب حتّى شكا إلي زوجته أمّ سلمة، فقالت: يا رسول الله، لا تلمهم فإنهم قد دخلهم أمر عظيم مما أدخلت علي نفسك من المشقة في أمر الصلح و رجوعهم بغير فتح، و لكن اخرج و انحر و احلق فإنهم تابعوك. فخرج و نحر و حلق رأسه حينئذ، و كان الحالق له (صلّى اللّه عليه و سلّم) خراش بن أمية الخزاعى رضى الله عنه، فلما راه الناس نحر و حلق فعلوا مثله. و قسم لحوم الهدايا في الفقراء الذي حضروا الحديبية، و بعث النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) عشرين بدنة مع ناجية [١] حتّى نحروها بمروة [٢] و قسّموا لحومها علي فقراء مكة، قال ابن عباس: حلق رجال يوم الحديبية و قصّر آخرون، فقال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «اللهم اغفر للمحلّقين» و في معالم التنزيل قال:
«يرحم الله المحلقين، قالوا: و المقصرين يا رسول الله، قال: اللهم اغفر للمحلقين، قالوا: و المقصرين يا رسول الله، قال: اللهم اغفر للمحلّقين، قالوا: و المقصرين، و في الثالثة أو الرابعة قال: و المقصرين» قالوا: لم ظاهرت (أى أظهرت) الترحم للمحلقين دون المقصرين؟ قال: لأنهم لم يشكّوا (أي لم يرجوا أن يطوفوا بالبيت بخلاف المقصرين، أى لأن الظاهر من حالهم أنهم أخّروا بقية شعورهم رجاء أن يحلقوها بعد طوافهم بالبيت).
و كان صلح الحديبية فتحا قريبا، أمن الناس بعضهم بعضا، و رضا من الله
[١] هو ناجية بن جندب بن عمير بن يعمر بن إرم بن وائل بن سلامان بن أسلم الأسلمي، كان اسمه ذكوان، فسماه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) «ناجية» حين نجا من قريش، مات بالمدينة في خلافة معاوية.
[٢] نوع من الحجارة مسنون تصلح للذبح و اسم للمكان المعروف بمكة.