نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٥٨ - الفصل الثالث في ظواهر السنة الثالثة من الهجرة و ما فيها من الغزوات
على ما فعل بعمه، قالوا: لنمثلن بهم إن أظهرنا الله عليهم مثلة ما يمثّل بها أحد، فأنزل الله تعالى: وَ إِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ [النحل: ١٢٦]، فكفّر عن يمينه، و نهى عن المثلة.
و روى ابن شاذان عن ابن مسعود: «ما رأينا المصطفى باكيا قط أشد من بكائه على حمزة، و صعد في القبلة، ثم وقف على جنازته و بكى حتّى كاد يغشى عليه، يقول: «يا حمزة يا عم، يا أسد الله و أسد رسوله، يا حمزة يا فاعل الخيرات، يا حمزة يا كاشف الكربات» [١]. و ليس هذا نوح و لا تعدّد (*) بشمائل، بل إخبار بفضائله و شمائله.
ثم أمر فسجّي ببرده، ثم أتي بالقتلى يوضعون إلى حمزة، فصلّى عليهم و عليه، و هذا دليل لأبى حنيفة؛ فإنه يرى الصلاة على الشهيد، خلافا للشافعى و أحمد (رحمهم الله تعالى).
ثم أمر بحمزة فدفن، و احتمل أناس من المسلمين إلى المدينة فدفنوا بها، ثم نهاهم (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن مثل ذلك، و قال: «ادفنوهم حيث صرعوا»، و يقال دفن معه [٢] فى قبره عبد الرحمن بن جحش.
و أصيبت عين قتادة فردّها رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بيده، فكانت بعد ذلك أحسن عينيه، و كانت إصابتها بسهم خرجت بحدقتها على وجنته، و هو يقى السهام بوجهه عن وجه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم). و استشهد أنس بن النضر عمّ أنس بن مالك، و قد أبلى بلاء حسنا، و فيه نزلت: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ...
[الأحزاب: ٢٣ و ما بعدها].
و نزل في شهداء أحد- كما رواه الحاكم- (و كانوا سبعين رجلا؛ أربعة من المهاجرين: حمزة بن عبد المطلب، و مصعب بن عمير، و عثمان بن شاس، و عبد الله ابن جحش، و سائرهم من الأنصار) قوله تعالى: وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي
[١] لأنه طالما فرّج الكربات عن وجه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و لذلك ذكر رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) ذلك، و هذا من باب ذكر الحسنات التى أسداها لرسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) كما قال الشيخ فيما بعد.
[٢] أى مع حمزة- رضى الله عنه.
* هكذا جاء.