نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٨١ - الفصل الثانى فى سيره مهاجرا إلى المدينة مع صاحبه صدّيقه رضى الله تعالى عنه و هو ابتداء التاريخ الإسلامى
الفصل الثانى فى سيره مهاجرا إلى المدينة مع صاحبه: صدّيقه رضى الله تعالى عنه و هو ابتداء التاريخ الإسلامى
لما بايعت الأنصار رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) علي ما ذكر، أمر أصحابه فهاجروا إلي المدينة، و بقي هو و أبو بكر و عليّ، فخرج هو و أبو بكر مستخفيين من قريش، فلما فقدت قريش رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) طلبوه بمكة، أعلاها و أسفلها، فلم يجدوه، فشقّ عليهم خروجه، و جعلوا مائة ناقة لمن يردّه. و لما خرج أبو بكر مع رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) متوجها إلي الغار جعل طورا يمشى أمامه و طورا يمشى خلفه، و طورا عن يمينه، و طورا عن شماله، فقال (عليه الصلاة و السلام): ما هذا يا أبا بكر؟ فقال: يا رسول الله أذكر الرصد فأحب أن أكون أمامك، و أتخوّف الطلب فأحب أن أكون خلفك، و أحفظ الطريق يمينا و شمالا، فقال: لا بأس عليك يا أبا بكر؛ الله معنا.
و كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) غير لابس شيئا في رجليه، فحفي (*)؛ لأنه لم يتعوّد الحفاء، فحمله أبو بكر رضى الله تعالى عنه على كاهله حتّى انتهي إلى الغار، فلما أراد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يدخل، قال أبو بكر: و الّذي بعثك بالحق نبيّا لا تدخله حتّى أدخله فأسبره [١] قبلك. فدخل أبو بكر رضى الله عنه، فجعل يلتمس الغار بيده في ظلمة الليل مخافة أن يكون فيه شيء يؤذى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فلمّا لم ير فيه شيئا دخل (صلّى اللّه عليه و سلّم) الغار، و جعل رأسه في حجره [٢] و نام، و رأى أبو بكر رضى الله عنه جحرا فألقمه عقبه، فلدغ أبو بكر رضى الله عنه في رجله، فلم يتحرّك، فسقطت دموعه على وجه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقال: ما هذا؟ قال له: لدغت، فتفل
* حفى: رقّت قدمه من كثرة المشى حافيا (المعجم الوسيط ١٩٣).
[١] السير: معرفة الغور، من قولك: سبر فلان الشيء أى عرف غوره، و منه المسبار: مقياس الحرارة.
و المقصود أنه يتعرف علي ما فيه خشية الأذي.
[٢] أى في حجر أبى بكر.