نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٦٦ - و مكروه
يعظّمون إلا بالصور، فتعيّن تفخيم الصور حتّى تحصل المصالح، و قد كان عمر رضى الله عنه يأكل خبز الشعير و الملح، و يفرض لعامله نصف شاة في كل يوم، لعلمه بأن الحالة التى هو عليها لو عملها غيره لهان في نفوس الناس، و لم يحترموه، و تجاسروا عليه بالمخالفة؛ فاحتاج إلى أن يضع غيره في صورة أخرى لحفظ النّظام، و لذلك لما قدم الشام و وجد معاوية بن أبى سفيان قد اتخذ الحجّاب و أرخى الحجاب، و اتخذ المراكب النفيسة و الثياب الهائلة العليّة، و سلك ما يسلكه الملوك، سأله عن ذلك، فقال له: إنّا بأرض نحن فيها محتاجون لهذا، فقال له: «لا امرك و لا أنهاك»، و معناه أنت أعلم بحالك، هل أنت محتاج إلى هذا، فيكون حسنا أو غير محتاج إليه فلا يسوغ لك التخلّق به؟ فدلّ ذلك من عمر رضى الله عنه و غيره على أن أحوال الأئمة و ولاة الأمور تختلف باختلاف الأمصار و الأعصار و القرون و الأحوال، فكذلك يحتاجون إلى تجديد زخارف و سياسات لم تكن قديما، و ربما وجبت في بعض الأحوال. زاد بعض المتأخرين:
و من البدع المندوبة إحداث نحو الرّبط و المدارس، و كل إحسان لم يعهد في العصر الأوّل، و الكلام على دقائق التصوّف و الجدل، و جمع المحافل، و الاستدلال فى المسائل العلمية إن قصد بذلك وجه الله تعالى.
و مكروه:
و هو ما تناولته أدلة الكراهة من الشريعة و قواعدها، كتخصيص الأيام الفاضلة أو غيرها بنوع من العبادة، و كذلك في الصحيح (*) خرّجه مسلم و غيره أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) نهى عن تخصيص يوم الجمعة بصيام أو ليلتها بقيام، و من هذا الباب الزيادة في المندوبات المحدودات، كما ورد في التسبيح عقب الفريضة ثلاثة و ثلاثين، فيفعل مائة، و ورد صاع في زكاة الفطر فيجعله عشرة أصوع، بسبب أن الزيادة فيها إظهار الاستظهار على الشارع، و قلة أدب معه [١]، بل شأن العظماء إذا حدّدوا شيئا وقف عنده و عدّ الخروج عنه قلة أدب، و الزيادة في الواجب أو عليه أشد في المنع؛ لأنه يؤدى إلى أن يعتقد أن الواجب هو الأصل
* أى الحديث صحيح.
[١] لأن الشارع كريم و رحيم، فكأن الفاعل لذلك يقول بلسان حاله: أنا أكرم من الله. تعالى الله عن ذلك، و كذلك في كل ما حدّده الشارع: لا تجوز الزيادة فيه و لا النقصان عنه، لأنه ورد بنص صريح، و الله تعالى أرحم بعباده من أنفسهم.