نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٦٨ - و مباح
لأن لين العيش و إصلاحه من المباحات، فوسائله مباحة، زاد بعضهم: و من البدع المباحة التوسع في لذيذ المآكل و المشارب و الملابس و توسيع الأكمام، و بما تقرر علم أن قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) «إياكم و محدثات الأمور» عامّ أريد به خاص؛ إذ سنّة الخلفاء الراشدين منها، مع أنّا أمرنا باتباعها لرجوعها إلى أصل شرعى [١].
قال بعض المتأخّرين: و كذلك سنتهم عامّ أريد به خاص، إذ لو فرض خليفة راشد في عامّة أمره سنّ سنة لا يعضدها دليل شرعي، امتنع اتباعها، و لا ينافى ذلك رشده؛ لأنه قد يخطئ المصيب و يزيغ المستقيم [٢] يوما ما، ففى الحديث:
«لا حليم إلا ذو عثرة و لا حكيم إلا ذو تجربة» [٣].
و لنا قاعدة، و هي: كل حكم أجازه الشارع أو منعه و أمكن ردّه إلى أحدهما فهو واضح، فإن أجازه مرة و منعه أخرى: فالثانى ناسخ للأوّل، و إن لم يرد عنه إجازته و لا منعه و لا أمكن ردّهما إليه بوجه: ففيه الخلاف قبل ورود الشرع، و الأصح ألا حكم فلا تكليف فيه بشيء، و قيل: يرجع فيه إلى المصلحة و السياسة، فما وافقهما منه: أخذ به، و ما لا: ترك، كذا قال بعض المتأخرين، و لا شك في حسنه.
و قد تكلم الإمام أبو عبد الله بن الحاج في كتابه «المدخل» على عمل المولد، فأتقن الكلام فيه جدا، و حاصله: مدح ما كان فيه من إظهار شعار و شكر، و ذم ما احتوى عليه من محرمات و منكرات.
و قال الحافظ: «أصل عمل المولد بدعة، لم ينقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، و لكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن و ضدّها، فمن تحرّى فى عمله المحاسن و تجنب ضدها كان بدعة حسنة، و من لا فلا».
[١] قال (عليه الصلاة و السلام): «الزموا سنتى و سنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» رواه ابن عبد البر في كتابه: جامع بيان العلم و فضله ص ٤٨٤، فأنت بهذا مأمور بما فعله أصحاب رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، لا خيار لك في تركه.
[٢] لكنهم لم يستنوا شيئا يخالف رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و كيف و قد وصفهم الله تبارك و تعالى بقوله:
فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: ١٥٧]، و على هذا فكلام بعض المتأخرين هذا ساقط و نسأل الله السلامة و العافية.
[٣] رواه الإمام أحمد و الترمذي و ابن حبان و الحاكم عن أبى سعيد.