نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٣٩ - إسلام عمير بن وهب
ما يهدى إليه من أرضنا الأدم [١]، فجمعنا له أدما كثيرا، ثم خرجنا حتّى قدمنا عليه، فو الله إنّا لعنده إذ جاءه عمرو بن أمية الضمري، و كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قد بعثه إليه في شأن جعفر و أصحابه، قال: فدخل إليه ثم خرج من عنده، قال:
فقلت لأصحابي: هذا عمرو بن أمية الضمري، لو قد دخلت على النجاشى و سألته إياه فأعطانيه فضربت عنقه، فإذا فعلت ذلك رأت قريش أنى قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد. قال: فدخلت عليه فسجدت له كما كنت أصنع، فقال: مرحبا بصديقي، أهديت إليّ من بلادك شيئا؟ قال: قلت: نعم أيها الملك، قد أهديت لك أدما كثيرا، قال: ثم قرّبته إليه فأعجبه و اشتهاه، ثم قلت: أيها الملك، إنى قد رأيت رجلا خرج من عندك، و هو رسول رجل عدوّ لنا فأعطنيه لأقتله، فإنه قد أصاب من أشرافنا و خيارنا. قال: فغضب، ثم مدّ يده فضرب به أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره، فلو انشقت لى الأرض لدخلت فيها فرقا [٢] منه، ثم قلت له: أيها الملك، و الله لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتكه، قال: أ تسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الّذي كان يأتى موسى (عليه السلام) لتقتله؟! قال: قلت: أيها الملك، أ كذلك هو؟ قال: ويحك يا عمرو، أطعنى و اتّبعه؛ فإنه و الله لعلى الحق، و ليظهرنّ على من خالفه، كما ظهر موسى على فرعون و جنوده، قال: قلت: أ فتبايعنى له على الإسلام؟ قال: نعم. فبسط يده فبايعته على الإسلام، ثم خرجت إلى أصحابى و قد حال رأيى عما كان عليه، و كتمت أصحابى إسلامي، ثم خرجت عامدا إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، لأسلم، فلقيت خالد بن الوليد، و ذلك قبيل الفتح، و هو مقبل من مكة فقلت: أين يا أبا سليمان؟ قال: و الله لقد استقام الميسم [٣]، و إن الرجل لنبيّ، أذهب و الله أسلم، فحتى متى؟ قال: قلت:
و الله ما جئت إلّا لأسلم، قال: فقدمنا المدينة على رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فتقدّم خالد بن الوليد فأسلم و بايع، ثم دنوت فقلت: يا رسول الله إنى أبايعك على أن يغفر لى ما
[١] الأدم: هو ما يصلح الطعام و يطيبه.
[٢] أى جزعا و خوفا.
[٣] جاء في الروض الأنف للسهيلى ج ٣ ص ٣٠٤: «من رواه «الميسم» بالياء فهى العلامة، أى قد تبين الأمر و استقامت الدلالة، و من رواه (المنسم) بفتح الميم و النون، فمعناه: استقام الطريق و وجبت الهجرة».