نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٥٩ - الفصل الثامن في ظواهر السنة الثامنة و ما فيها من الغزوات
فقال عبد الرحمن: بل ثأرت عمك الفاكه، و فعلت فعل الجاهلية في الإسلام.
و بلغ رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) خصامهما، فقال: «يا خالد دع عنك أصحابى، فو الله لو كان لك أحد ذهبا ثم أنفقته في سبيل الله تعالى ما أدركت غدوة أحدهم و لا روحته».
و كان فتح مكة يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان، و دخل النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) مكة و ملكها عنوة بالسيف، و إلى ذلك ذهب مالك و أصحابه، و هو الصحيح من مذهب أحمد رضى الله عنه، و قال أبو حنيفة و الشافعى رضى الله تعالى عنهما إنها فتحت صلحا [١].
و لما دخل (صلّى اللّه عليه و سلّم) مكة و كان حول البيت ثلاثمائة و ستون صنما مشدودة بالرصاص، لكل حي من أحياء العرب صنم، و كان هبل أعظمها، و هو على باب الكعبة، فلما طاف جعل يشير بقضيب في يده إليها و يقول:- جاء الحق و زهق الباطل إن الباطل كان زهوقا- فما أشار لصنم إلا وقع لوجهه، و في ذلك قال تميم الخزاعى:
ففى الأصنام معتبر و علم * * * لمن يرجو الثواب أو العقابا
ثم أمر (صلّى اللّه عليه و سلّم) بهبل فكسر، و هو واقف عليه.
و روى أن الزبير بن العوام قال لأبى سفيان: إن هبل الّذي كنت تفتخر به يوم أحد قد كسر، قال: دعنى و لا توبّخنى، لو كان مع إله محمد إله اخر لكان الأمر غير ذلك.
و يقال: إن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) لما دخل مكة يوم الفتح كان بها من الأصنام ثلاثمائة و ستون صنما حول الكعبة، منها إساف و نائلة، فكسّرا مع الأصنام.
و في ذلك يقول فضالة الليثى:
لو رأيت محمدا و جنوده * * * بالفتح يوم تكسّر الأصنام
لرأيت نور اللّه أصبح بيّنا * * * و الشّرك يغشى وجهه الإظلام
و كان عليه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لما دخل مكة عمامة سوداء، فوقف على باب الكعبة، و قال:
لا إله إلا الله واحده لا شريك له، صدق وعده، و نصر عبده، و هزم الأحزاب واحده»، ثم ذكر (صلّى اللّه عليه و سلّم) خطبة بيّن فيها جملة من الأحكام، منها: ألا يقتل مسلم بكافر، و لا يتوارث أهل ملّتين مختلفتين، و لا تنكح المرأة على عمتها و لا على
[١] انظر ص ٣٥٥ في القول بأن مكة فتحت صلحا لا عنوة.