نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٥٨ - الفصل الثامن في ظواهر السنة الثامنة و ما فيها من الغزوات
دخول مكة من الأولى و الخروج منها من الثانية، و اغتسل (صلّى اللّه عليه و سلّم) لدخول مكة، و به استدل على استحباب الغسل لداخل مكة و لو حلالا، و كان شعار المهاجرين «يا بنى عبد الرحمن» و شعار الخزرج «يا بنى عبد الله» و شعار الأوس «يا بنى عبيد الله» أى شعارهم الّذي يعرف به بعضهم بعضا في ظلمة الليل، عند اختلاط الحرب، لو وجد.
و بعث النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) السرايا إلى الأصنام التى حول مكة فكسرها، و نادى مناديه بمكة: «من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يدع في بيته صنما إلا كسره»، و كذلك إلى الناس يدعوهم إلى الإسلام، و لم يأمرهم بقتال، و كانت بنو جذيمة قد قتلوا في الجاهلية عوفا أبا عبد الرحمن، و عم خالد- كانا أقبلا من اليمن- و أخذوا ما معهما، و كان من السرايا التى بعثها (صلّى اللّه عليه و سلّم) تدعو إلى الإسلام سرية مع خالد بن الوليد، فنزل على ماء لبنى جذيمة فأقبلوا بالسلاح، فقال لهم خالد:
ضعوا السلاح فإن الناس قد أسلموا، فوضعوه، فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فأمر بهم خالد فكتفوا، ثم عرضهم على السيف فقتل من قتل [١] منهم، فلما بلغ النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ذلك رفع يديه إلى السماء حتّى بان بياض إبطيه، و قال: «اللهم إنى أبرأ إليك مما صنع خالد» [مرتين] ثم أمر عليا رضى الله عنه أن يؤدى لهم الدماء و الأموال، ففعل [٢] ذلك، ثم سألهم: هل بقى لكم دم أو مال؟ قالوا: لا، و كان قد فضل مع عليّ قليل مال، فدفعه إليهم زيادة تطيبا لقلوبهم، فأعجب النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ذلك.
و أنكر عبد الرحمن بن عوف على خالد فعله [٣]، فقال خالد: ثأرت أباك،
[١] ظن سيدنا خالد رضى الله عنه أنهم خرجوا إلى دين الصابئة: جنس من أهل الكتاب، و من القول الفاحش اتهام سيدنا خالد بأنه خالف أمر رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) لضغينة في نفسه من هؤلاء الناس، و لا يعتقد هذا إلا جاهل أو مدخول في عقيدته. و الله تعالى أعلم.
[٢] و هذا دليل اخر على براءة سيدنا خالد، فإن الدية لا تؤدى إلا في الخطأ، أما العمد ففيه القصاص؛ لأنهم مسلمون.
[٣] و إنما لامه سيدنا عبد الرحمن بن عوف لأنه كان يعرف أن القوم قد أسلموا و خالد يجهل ذلك منهم، و لو علم ما فعل هذا أبدا، و قول خالد: ثأرت أباك، إنما يريد أن يبرد قلب عبد الرحمن حتى يخفف عبد الرحمن عنه اللوم.
و قول رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «يا خالد دع عنك أصحابى» إنما أراد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و الله تعالى أعلم أن يبين مكانة السابقين في الإسلام، فإن السابقين لهم فضلهم و مكانتهم فلا يجترئ- عليهم أحد مهما كان. و هذا الّذي نقوله و ندين به لله رب العالمين، و الله تعالى أعلم.