نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٥٧ - الفصل الثامن في ظواهر السنة الثامنة و ما فيها من الغزوات
و أنه لما اختير حكما حين اختصمت القبائل في رفع الحجر إلى موضعه، كان هو الأخذ بالثوب و واضعه بالركن، و الامر للإصلاح بأخذ كل قبيلة طرفا من الثوب و رفعه إلى ما يحاذى موضعه، و المتناول للحجر من الثوب، و الواضع له بيده الشريفة في محله، فحقّ على من يرفع بنيانها أن يرفع شأنها.
ثم أمر (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يدخل الزبير ببعض الناس من كداء [١]، و سعد بن عبادة سيد الخزرج ببعض الناس من ثنية كدّى [٢] و أمر عليّا أن يأخذ الراية منه فيدخل بها لما بلغه من قول سعد: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة، و أمر خالد بن الوليد أن يدخل من أعلى مكة من كداء في بعض الناس، و كل هؤلاء الجنود لم يقاتلوا؛ لأن النبي نهى عن القتل، إلا أن خالد بن الوليد لقيه جماعة من قريش فرموه بالنبل و منعوه من الدخول فقاتلهم خالد و قتل من المشركين ثمانية و عشرين رجلا، فلما علم النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بذلك قال: أ لم أنهكم عن القتال؟ فقالوا له:
إن خالدا قوتل فقاتل. و قتل من المسلمين رجلان، و دخل النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) مكة من كداء و هو على ناقته يقرأ سورة الفتح و يرجّع [٣].
و كان دخوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) مكة يوم الاثنين، و وضع الحجر يوم الاثنين، و خرج من مكة مهاجرا يوم الاثنين، و دخل المدينة يوم الاثنين، و نزلت عليه سورة المائدة يوم الاثنين.
و عن عائشة رضى الله عنها: كان لواؤه يوم فتح مكة أبيض، و رايته سوداء تسمّى العقاب، و هى التى كانت بخيبر.
و عنها رضى الله تعالى عنها أنها قالت: دخل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم الفتح من كداء [بفتح الكاف و المدّ و التنوين: جبل بأعلى مكة] و هذا هو المعروف، خلافا لمن قال: إنه دخل من أسفل مكّة، و هى ثنية كدّى [بضم الكاف و القصر و التنوين] و عند الخروج خرج (صلّى اللّه عليه و سلّم) من هذه، و بهذا استدل على أنه يستحب
[١] اسم مكان بأسفل مكة خرج منه النبي من مكة، و هى بضم الكاف.
[٢] اسم مكان ثنية بأعلى مكة، عند المحصب، و هو بفتح الكاف.
[٣] الترجيع: الترديد في القراء و إعادة الآيات.
أغلب العلماء على أن رجيعه إنما كان من أثر اهتزاز الناقة، و لكن الصحابة رضى الله عنهم كانوا يأخذون عنه كل شيء دون النظر إلى الأسباب. و الله أعلم.