نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٢١ - الفصل الثانى في ظواهر السنة الثانية من الهجرة، و ما فيها من الغزوات
ثم ارتحل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتّى نزل قريبا من بدر، فلمّا أمسى بعث عليّا بن أبى طالب و الزبير بن العوام و سعد بن أبى وقاص في نفر من أصحابه إلى بدر يلتمسون الخبر، فأصابوا راوية [١] لقريش معها غلام لبنى الحجاج و غلام لبنى العاص، فأتوا بهما رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو قائم يصلي، فقالوا: لمن أنتما؟ و ظنوا أنهما لأبى سفيان، فقالا: نحن سقاة قريش بعثونا نسقيهم من الماء، فضربوهما، فلما أوجعوهما ضربا، قالا: نحن لأبى سفيان، فتركوهما. فلما فرغ رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) من صلاته قال: «إذا صدقاكم ضربتموهما، و إذا كذباكم تركتموهما! صدقا و الله، إنهما لقريش، أخبرانى عن قريش». قالا: هم وراء هذا الكثيب الّذي يرى بالعدوة القصوى- أى جانب الوادى المرتفع- فقال لهما رسول الله: كم القوم؟ قالا: هم و الله كثير عددهم، شديد بأسهم، قال: ما عدّتهم؟ قالا: لا ندري. و جهد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يخبراه كم هم، فأبيا. قال: كم ينحرون من الجزر كل يوم؟ قالا: يوما تسعا، و يوما عشرا، فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «القوم ما بين التسعمائة و الألف»، أي لكل جزور مائة، ثم قال لهما: «فمن فهيم من أشراف قريش؟» فعدّا له من فيهم من الأشراف، و هم كثير، و فيهم أبو جهل، فأقبل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) على الناس، فقال:
«هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها- أى أشرافها و عظماءها-» ثم بعث (صلّى اللّه عليه و سلّم) عديّا و بسبس رضى الله عنهما، إلى بدر يتحسسان الأخبار (التحسس للأخبار بالحاء المهملة: أن يفحص الشخص عن الأخبار بنفسه، و بالجيم: أن يفحص عنها بغيره» و جاء: «تحسّسوا و لا تجسسوا» [٢]) قبل وصوله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و قبل وصول قريش إليها أيضا، فنزلا قريبا من بدر، عند تل هناك، ثم أخذا شنّا لهما يستقيان فيه، و كان مجدى بن عمرو على الماء، و إذا جاريتان تتخاصمان و تمسك إحداهما الأخرى على الماء، و الممسكة الملزمة تقول لصاحبتها: إنما يأتى العير غدا أو بعد غد، فأعمل لهم و أقضيك الّذي لك. فقال مجدى بن عمرو الّذي على الماء: صدقت، ثم خلّص بينهما. فلما سمع بذلك عدى و بسبس، جلسا على بعيريهما، ثم انطلقا حتّى أتيا رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأخبراه بما سمعا. ثم إن أبا سفيان
[١] الرواية: الناقة المعدة عليها القرب.
[٢] فى القاموس: الحاسوس: الجاسوس، أو بالحاء في الخير و بالجيم في الشر، و الجس: المس باليد، و تفحّص الأخبار، و منه الجاسوس و الجسيس لصاحب سر الشر» أ. ه مختصرا.