نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٢٣ - الفصل الثانى في ظواهر السنة الثانية من الهجرة، و ما فيها من الغزوات
فصلى بهم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و حرّض على القتال في خطبة خطبها، فقال بعد أن حمد الله و أثنى عليه: «أما بعد: فإني أحثكم على ما حثكم الله عليه ...» إلى أن قال «... و إن الصبر في مواطن البأس مما يفرّج الله به الهمّ و ينجى به من الغم».
و لما رأى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قريشا و قد أقبلت بالدروع الساترة، و الجموع الوافرة، و الأسلحة البارقة، قال: «اللهم إن هذه قريش قد أقبلت بخيلائها (أى بكبرها و عجبها و فخرها) تجادلك، و تخالف أمرك، و تكذّب رسولك، اللهم فنصرك الّذي وعدتنى به، أنجزه اللهم، أمرتنى بالثبات و وعدتنى إحدى الطائفتين، و إنك لا تخلف الميعاد».
و كان من حكمة الله تعالى أن جعل المسلمين قبل أن يلتحم القتال في أعين المشركين قليلا استدراجا لهم ليقدموا، و لما التحم القتال جعلهم في أعين المشركين كثيرا ليحصل لهم الرعب، و جعل الله المشركين عند التحام القتال في أعين المسلمين قليلا، ليقوي جانبهم على مقاتلتهم، و أنزل الله تعالى وَ إِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَ يُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ [الأنفال: ٤٤] و من ثمّ قال الله تعالى:
قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ أُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ [آل عمران: ١٣] و حين رأى المسلمون نار القتال قد شبّت عجّوا [١] بالدعاء إلى الله تعالى، فأنزل الله تعالى عند ذلك: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال: ٩] (أى متتابعين)، فكان جبريل (عليه السلام) في خمسمائة ملك على الميمنة، و فيها أبو بكر رضى الله عنه، و ميكائيل (عليه السلام) في خمسمائة على الميسرة، و فيها عليّ رضى الله عنه، فى صور الرجال، عليهم عمائم بيض و ثياب بيض، قد أرخوا أذنابها بين أكتافهم، و على جبريل (عليه السلام) عمامة صفراء أرسلها من خلفه.
و عن عروة بن الزبير: كانت عمامة الزبير يوم بدر صفراء، فأمدّه الله تعالى بالملائكة؛ ألف مع جبريل و ألف مع ميكائيل، و قيل أيضا: أمدّه بألف مع إسرافيل فزيد في الوعد بثلاثة آلاف لقوله تعالى: بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا وَ يَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [آل عمران: ١٢٥] فوقع الوعد
[١] عجوا بالدعاء: رفعوا أصواتهم.